« مفتي الطّوائف » فقيها معظّما ، كما نقل ما قاله الشّارح في آخر شرحه « قبل أحكام هاء السّكت » من أنّه أتمّ مصنّفه في شوّال من سنة 686 ه ، وعلى هذا الأساس يرفض التّاريخين الممكنين اللّذين يذكرهما السّيوطيّ لوفاته ، اعتمادا على أنّه « عاش مدّة يحرّر شرحه » أي يصلحه ، كما أنّه شرح الشّافية بعد ذلك . ولعلّه ممّا يفسّر قلّة المعلومات حول الإستراباذيّ أنّه لم يشتهر أمره في حياته ، وأنّ شرح الكافية - حسب ما نقله البغداديّ - « لم ينقل من العجم إلى الدّيار المصريّة إلّا بعد أبي حيّان ( 745 ه / 1344 م ) ، وابن هشام ( 761 ه / 1359 م ) » [ خزانة الأدب ،
I
، ص 28 وما بعدها ] ؛ يفهم من هذا أنّ الأستراباذيّ كان بعيدا عن العواصم الّتي كانت مركز كبار النّحاة في القرنين السّابع والثّامن ، وهي خاصّة دمشق والقاهرة ، ففيهما عاش ابن الحاجب ودرس ووضع مصنّفاته ، وفي القاهرة عاش كلّ من أبي حيّان النّحويّ ، وابن هشام الأنصاريّ وألّف كتبه العديدة ، وفي دمشق استقرّ ابن مالك وصنّف . وخلافا لهؤلاء لا نعرف للإستراباذيّ شيئا عن تلاميذه رغم أنّه أشار في مقدّمة شرح الكافية إلى أنّ الدّاعي إلى وضع كتابه هذا هو طلب بعض من قرأ عليه « مقدّمة ابن الحاجب » [ شرح الكافية ،
I
، ص 17 ] .
ولم يمنع خمول ذكر الإستراباذيّ في كتب التّراجم والطّبقات من اشتهار مصنّفيه وذيوع صيته في العصور الموالية ؛ ولعلّ ذلك راجع إلى ما اتّسم به شرحاه من طابع شخصيّ يتميّز بكثرة المباحث مع النّحاة ، ومخالفتهم الرّأي في المسائل الكثيرة ، والانفراد بالقول ، والحرص على التّوقّف عند الحدود والتّعريفات وسبرها على محكّي الجمع والمنع ، وكثرة تصريف أصول النّحو واعتمادها في التّعليل والاحتجاج ، ممّا يكسب خطابه صنعة تجريديّة على قدر كبير من الصّرامة والإحكام . كما تتضمّن شروحه ما قد لا تجده عند غيره من الحرص على ضبط عدد من المفاهيم ، وما قد يطرحه تصوّرها أو تحديدها من مشاكل ؛ من ذلك على سبيل المثال نظريّته الفاحصة لمفهوم الكلمة وعدم تردّده في تجزئة ما يبدو ملفوظا واحدا إلى أكثر من كلمة ، ومنه تحديده لمفهوم العامل قصد إزالة الالتباس الّذي يبدو في استعمال هذا المصطلح ، ومنه استعراضه في تصوّر شامل - انطلاقا من المعاني المستفادة من الإعراب - للمعاني الطّارئة وغير الطّارئة على الكلمة ، وطرق التّمييز بينها . ويعتبر البغداديّ أنّ الرّضيّ تبع ابن مالك في تجويزه الاحتجاج بالحديث النّبويّ خلافا لما شاع في التّراث النّحويّ ، ويرى أنّه « زاد عليه » الاحتجاج بكلام أهل البيت [ خزانة ،
I
، ص 9 ] .
آثاره
خلافا لما وضعه أعلام النّحو في القرنين السّابع والثّامن خاصّة من عشرات المؤلّفات فإنّه لم ينسب إلى الإستراباذيّ سوى مصنّفين اثنين هما : « شرح الكافية » و « شرح الشّافية لابن الحاجب » .
1 - شرح الكافية : هو شرح ل « كافية » ابن الحاجب في النّحو ، وقد شرحها غير الإستراباذيّ كثير كابن مكتوم ( ت . 749 ه / 1348 م ) ، وشمس الدّين محمد بن عبد