وإلى جانب اتصاله المباشر بمختلف العلماء في بلاده ، كان الأرواني مواظبا على المطالعة والاستفادة من أمّهات المصادر في الفنون الإسلامية . إذ « لم ينقطع عن خزائن مخطوطات الأساتذة الذين درسوه ، بل استمر في ارتيادها ، فكان كثير التردد على خزانة العالم محمود الأرواني ، ينهل من ذخائرها ، وخزانة أحمد بن الأعراف التكني ، التي تحتوي على 2076 مخطوطا في مختلف فروع المعرفة بما فيها أرجوزة ابن سينا في علم الطب » [ السعادة الأبدية ، ص 20 ] .
كلّ هذه المناهل المتنوعة المتعددة وفّرت لأحمد بابير ثقافة واسعة وتكوينا معرفيا عميقا أهّله لنشاطات فكريّة واجتماعية مخصبة .
ولما اجتمع لأحمد بابير رصيد معرفي هامّ استقر بمدينة تمبكتو ، وأخذ يتصدّر فيها مجالس العلم في مختلف المنارات العلمية ، ذلك أنه نظم حلقات درس في كل من جامعة سنكري والجامع الكبير ، فقصد إليه طلاب العلم من مختلف أرجاء المنطقة ، يتلقّون منه ذلك من الحساب ، وعلم الفلك ، والطبّ .
وقد تخرّج على يده علماء نهضوا بدور كبير في نشر الثقافة العربية الإسلامية في المنطقة ، منهم محمود ددب ، وعادل محمود الأرواني ، والمرحوم عمر سيسه ، وأحمد سالم شوب ، ومحمد السيوطي ، ونوري الأمين .
على أن أحمد بابير لم يقتصر في نشاطه الفكري على التدريس ، إنما تعداه إلى القيام بدور فعّال في بناء مجتمعه ، إذ تولى أمر الفتوى في مدينة تمبكتو بداية من سنة 1959 م بعد أن ألقى زعيم السودان الفرنسي ، موديبو كيتا ، القبض على القاضي محمود الأرواني ، الذي كان مفتي المدينة ، ذلك أنّ هذا الزعيم السياسي الذي سيكون فيما بعد أوّل رئيس لجمهورية مالي إثر استقلال دولة السودان الفرنسي ، قد قاد حملة ضد العلماء المسلمين المشهورين الذين كانوا يمثلون خطرا على وحدة الجمهورية بما لهم من سلطة روحية على الشعب وبما يبطنونه من كراهية لكل سلطة غير إسلامية .
ظلّ أحمد بابير مفتي المدينة طيلة تسع سنوات إلى أن قام القائد موسى تراوري بانقلاب عسكري ضدّ حكم موديبو كيتا سنة 1968 م ، فأطلق سراح القاضي محمود وغيره من نظرائه العلماء . فعاد الشيخ محمود مجددا إلى منصبه في الإفتاء . وتبعا لذلك رجع أحمد بابير إلى ممارسة مهنة التدريس ، بل إنه استفاد ممّا وفّره النظام السياسي الجديد من حرية في الإنتاج الفكري باللغة العربية أو باللغات الغربية على حدّ سواء ، فضمّ إلى التدريس تصنيف الكتب .
ويبدو أن بابير كان إلى علم التاريخ أميل منه إلى غيره من العلوم ؛ وفي ذلك يقول مضمّنا قول العلّامة ابن خلدون : « اعلم أنّ علم التاريخ من أجلّ العلوم قدرا وأرفعها منزلة وذكرا وأنفعها عبادة وذخرا ، وكفاه شرفا أن اللّه تعالى شحن كتابه العزيز ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، من أخبار الأمم الماضية والقرون الخالية . وقد كان رسول اللّه كثيرا مّا يحدّث أصحابه بأخبار الأمم الذين من قبلهم . . . » [ ن . م . ص 39 ] ؛ وقد عني بابير عناية خاصّة بالتصنيف في تراجم الأعلام ، ذلك أنه يرى أنّ أجلّ ما في علم التاريخ « تراجم الكبار وأخبار الأخيار .
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 494
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٤٩٤