المرتبة الأولى متقدّما على جميع شيوخ « غيث » من حيث كثرة القطع والفوائد التي سمعها ورواها عنه ، إذ بلغت نحو 100 قطعة ، وجاء « مشرّف بن علي التمّار » في المرتبة الثانية ، فروى عنه 27 قطعة .
ومن استعراضنا لأسماء شيوخه نعرف أنه تنقّل بين : الإسكندرية ، وبانياس ، وبيروت ، وتنّيس ، ودمشق ، ودمياط ، وصور ، وعسقلان ، وعكا ، ومصر ، ومقرى ( من قرى غوطة دمشق ) .
وكانت تأتيه الرسائل من طرابلس الشام فيفيد منها . وهو يحدّد في بعض الأحيان أماكن سماعه ، مثل : باب دار الأمير سيف الدولة أبي تراب الرّبعي بصور ، ومسجد باب الخولان ببانياس ، ومسجد القدم بظاهر دمشق .
ويظهر أن غيثا تأثر باثنين ، على الأقل : بأبيه أولا ، فنظم الشعر مثله وهو صغير ، وكان يسمعه للخطيب البغداديّ ، وتأثّر ثانيا بالخطيب في أمرين : أحدهما الخطابة ، فقد تولّى خطابة جامع صور ، والمعروف أن شيخه الخطيب البغدادي اشتهر بالخطابة وكان صوته جهوريّا ، ولهذا عرف بالخطيب . وثانيهما :
ميوله إلى التاريخ والسير والتراجم وتدوين الأدب والفوائد ، فاهتمّ بوضع تاريخ لمدينته صور ، على غرار ما فعل شيخه في تصنيف « تاريخ بغداد » ، فكان يلتقي بالعلماء والأدباء والشيوخ من أهل بلده ، وكلّ من يدخل إلى صور من الشيوخ ، ويسألهم عن أنسابهم ، وسيرتهم ، وشيوخهم ، ورحلاتهم ، ومؤلّفاتهم ، ويتحرّى تواريخ المواليد والوفيات ، ويسمع الأحاديث الشريفة بأسانيدها ، والأشعار ، والفوائد ، وغيرها ، ويدوّن ذلك في أوراق عنده : ولم يكتف بذلك ، بل كان يسأل أصحابه عن آبائهم المتوفّين فيحدّثونه عنهم ، ويراسل العلماء في البلاد ويكتبون له ، حتى أحصى الأغلبية الساحقة من الأعلام الرّواة الذين كانوا بصور أو نزلوها في عصره ، وجمع عنهم وعن مدينة صور تاريخا مهمّا ، ولكنّه لم يتمّه : إذ خرج من صور بعد أن أخذت تتعرّض لحصار الفرنج وحملاتهم التي أخذت تتوالى على مدن ساحل الشام ، واستوطن دمشق في أواخر عمره ، مصطحبا زوجه ، ومسودّة كتابه عن صور . وحاول أن يجمع تاريخا جديدا لدمشق أيضا ، وبدأ به ولكنّ الموت عاجله فلم يتمّه .
وفي إقامته الأخيرة بدمشق التقى به مؤرّخها الكبير « ابن عساكر » وروى عنه ، وصار تلميذا له ، فأطلعه « غيث » على « تاريخ صور » ، ومشروع « تاريخ دمشق » ، فنقل أغلب المادّتين اللّتين فيهما ، وأفرغهما في كتابه الموسوعيّ الضخم « تاريخ مدينة دمشق » فحفظ لنا بذلك قسما كبيرا من « تاريخ صور » وجزءا من « تاريخ دمشق » حيث يعتبر أصل المؤلّف مفقودا حتى الآن ، ونحن بدورنا جمعنا ما نقله « ابن عساكر » عن « غيث » في مجلّدات « تاريخ دمشق » وصرّح بالنقل عن كتابه أو إجازة أو إملاء أو نقلا من خطّه ، وألّفنا منه مجموعا الذي تجاوز خمسمائة قطعة ، وجعلنا اسمه « المجموع من المنتخب المنثور في أخبار الشيوخ من تاريخ دمشق وصور » .
تجاوز عدد الشيوخ الذين أخذ عنهم « غيث » المئة بكثير ، وتنوّعت المعارف التي أفادها منهم بين حديث شريف ، ومعلومة تاريخية ، وسيرة ذاتيّة ، ووصف لمكان ، ونكتة أدبية ، وتأريخ لوفاة ، وتحقيق لفائدة أو خبر ، ولا
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 481
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٤٨١