منطقيا ، أخذ مبادئ العلوم عن شيوخ بلدته ثمّ هاجر إلى الموصل طلبا للعلم ، وقدم دمشق ومصر ، وولّي القضاء بمدينة قونية [ الأسنوي ، طبقات الشافعية ، ج 1 ، ص 155 ] . والظاهر أنّه كان ذا منزلة رفيعة نال بها وجاهة عند ملوك عصره ، فقد ذكر القاضي جمال الدين محمد بن سالم الحموي ( ت 697 ) في مفرّج الكروب أن الملك الصالح نجم الدين أيوب قد أرسله إلى الإمبراطور الذي صالحه على تسليم بيت المقدس للنصارى ، فأكرم مثواه وأحسن إليه إحسانا كبيرا ، وصنف له سراج الدين كتابا في المنطق ثمّ عاد إلى الملك الصالح مكرّما [ ج 4 ، ص 247 ] . وذكر المقريزي ( ت 845 ) في كتاب السلوك أنه لما قدم مصر حضر مجلس الملك السلطان المعظّم غياث الدين توران شاه بن الصالح نجم الدين أيّوب برفقة العزّ بن عبد السلام ، وبهاء الدين بن الجميزي ، والشريف عماد الدين ، والقاضي عماد الدين القاسم بن إبراهيم بن هبة اللّه [ ج 2 ، ص 354 ] .
لقي الإمام أبا الفتح كمال الدين موسى بن أبي الفضل يونس بن منعة الكردي ( ت 639 ه ) ، فلازمه وخدمه فترة ، وحصّل عليه العقليات والشرعيات وبرع فيهما [ السبكي ، طبقات الشافعية الكبرى ، ج 8 ، ص 371 ؛ الأسنوي ، طبقات الشافعية ، ج 1 ، ص 155 ؛ طاش كبري زاده ، مفتاح السعادة ، ج 1 ، ص 297 ] وقد كان هذا الشيخ أعظم أيمّة الموصل في عصره ، إذ كان جامعا لعلوم كثيرة لم يدرك شأوه فيها أحد ، فقد كان حاذقا لعلوم العربية والتصريف ، لذلك كان يدرّس الكتاب لسيبويه ( ت 180 ه ) ، والإيضاح والتكملة لأبي علي الفارسي ( ت 377 ه ) ، والمفصّل للزمخشري ( ت 538 ه ) ، وكان أيضا متضلّعا في أصول الفقه ، والكلام ، والحكمة والمنطق ، والطبّ وفنون الرياضة نحو الهيئة والمجسطي وإقليدس ؛ وقد أقرأ كتب الرازي وتعهّدها بالشرح والبيان ، إذ كان أعرف الناس باصطلاح الفخر ، ويحكى أنّه فاق أحبار اليهود والنصارى في شرح التوراة والإنجيل [ الذهبي ، العبر ، ج 3 ، ص 236 - 237 ؛ ابن العماد ، شذرات الذهب ، ج 7 ، ص 356 - 357 ؛ ابن كثير ، البداية والنهاية ، ج 13 ، ص 158 ؛ السبكي ، طبقات الشافعية الكبرى ، ج 8 ، ص 378 ] .
والظاهر أنّ سراج الدين قد سمع منه هذه الشروح وتأثّر بها . ولعلّ هذا هو موجب عنايته بالمحصول وكتاب الأربعين ؛ أخذ عنه الفقيه تاج الدين الكروري [ طاش كبري زاده ، الشقائق النعمانية ، ج 1 ، ص 8 ] ، والأصوليّ الأشعريّ محمد بن عبد الرحيم بن محمّد الشيخ صفيّ الدين الهندي ( ت 715 ه ) صاحب نهاية الوصول في أصول الفقه ، والفائق والزبدة في علم الكلام ، والرسالة التحسينية في الأصول الدينية [ اليافعي ، مرآة الجنان ، ج 4 ، ص 272 ؛ ابن كثير ، البداية والنهاية ، ج 14 ، ص 74 - 75 ؛ الشوكاني ، البدر الطالع ، ج 2 ، ص 187 ] .
لقد كان الأرموي من أيمّة الشّافعيّة المبرّزين الذين تركوا تصانيف جليلة ساهمت بقسط وافر في إثراء العلوم العقليّة نحو الحكمة ، والمنطق ، والجدل ، والعلوم الشرعية نحو الكلام وأصول الفقه .
وقد خلط البغدادي في « هدية العارفين »
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 483
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٤٨٣