يتسع المجال هنا لمناقشة هذا الهاجس المستحكم لدى جميع دارسي الأدب الموريسكي ، الذي يدفعهم إلى البحث دائما وأبدا عن الأصول الأدبية الشرقية المفترضة لديهم لهذا الأدب الأندلسي المتأخر ، غير أن المجال لا يضيق عن التعريج على مختلف القضايا التي يطرحها هذا الديوان بوصفه وثيقة أدبية وتاريخية في نفس الوقت ، تسلط بعض الأضواء على بعض ظواهر الموريسكيين في إسبانية وفي مهجرهم بتونس ، وكذا إلى همومهم الحضارية والثقافية .
ولا غرو في ذلك ، فكثيرة هي المقاطع الشعرية من هذا الديوان التي تعكس لنا كيف يعيش الموريسكيون عمق مأساتهم الوجودية بإسبانية ؛ الناتجة بصفة خاصة عن عنف المراقبة والمتابعة اللتين أخضعتهم إليها محاكم التفتيش بتلك البلاد . فلم يكن لأحد منهم أن يجرؤ - لئلا يقع تحت طائلة أشد العقوبات - على خرق مبدأ التقية والتعبير عن انتمائه إلى الإسلام ، أو ممارسة لشعائره ، مثلما لم يكن في مستطاع أي واحد منهم كذلك أن يتخلص من القهر الذي عبر عنه محمد ربضان في بعض ابتهالاته ، متوسّلا إلى اللّه رب العالمين ، أن يرفع عن إخوته الموريسكيين هذا العنت ، ويخلصهم من أسرهم الروحي داخل وطنهم ، ومن تسخير النصارى لهم واستعبادهم إياهم .
وبالإضافة إلى ذلك ، فلقد جاء هذا الديوان ليندرج - مثل غيره من قطع الأبيات الموريسكية - ضمن استراتيجية مواجهة تنصير المورسكيين واجتثاثهم من هويتهم الثقافية .
فمما لا شك فيه ، أنه قد كان لمثل هذا الديوان بما تضمنه من مضامين دينية في أبيات شعرية يسهل حفظها ، ويستعذب ترديدها في تخليد مولد الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، أثر حاسم في إنعاش وجدانهم الديني الأصلي ، والمحافظة على معتقدهم الإسلامي وعلى ممارستهم لشريعتهم وشعائرهم وطقوسهم ، ولا غرو في أن ينظم محمد ربضان هذا الديوان باللغة الإسبانية رغم معرفته باللغة العربية ما دام قد وضع تفسيرا للقرآن الكريم ، إذ من المعروف أن اللغة العربية قد تقهقر استخدامها بين الأندلسيين المتأخرين في مطلع القرن السابع عشر ، إلى الحد الذي اتخذ فيه الموريسكيّون من الإسبانية لغة لتداول علومهم ومعارفهم وإنتاج فنونهم وآدابهم المختلفة . وبذلك يندرج أيضا هذا الديوان ضمن الآداب الإسلامية المكتوبة بغير اللّغة العربية . ثم إن انتقال هذا الديوان مع المورسكيين إلى مهجرهم في تونس ، واستمرارهم في قراءته بلغته الأصلية ، وإنشاد ما فيه من مدح للرسول وذكر لسيرته وشمائله ، يجسد كذلك مدى ما سيعرفه تعريبهم بتونس ، وتعريب أذواقهم وحساسياتهم الفنية والأدبية من تأخر ومن معوقات . ولا غرو في ذلك ، فعلى الرغم من الجهود التي بذلوها طيلة مكوثهم بإسبانية للحفاظ على هويتهم الثقافية الأصلية ، فإنهم في واقع الأمر ، لم يستطيعوا أن يحتفظوا الا بما كان يشكل في ذاته المكون الأساس من هذه الهوية ؛ أي الإسلام الذي عضوا عليه بنواجذهم ، من دون أن يرضوا أي بديل له ، على أن ذلك لم يمنعهم من أن يتخذوا من اللغة الإسبانية وآدابها ، لغة وآدابها لهم ، عملوا على تمثلها والإسهام فيها كذلك .
والواقع أنّهم قد استطاعوا بمساهمتهم في هذه الآداب ، احتلال مكانة مرموقة بين زملائهم
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 477
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٤٧٧