وشكل النظم وحتى اللغة الشعرية والأسلوب حسب تغير الأحاسيس والمشاعر . وهذه التقنية تبدو واضحة بشكل خاص في الحكايات المنظومة . وقد بلغ محمد عاكف الذروة بالعروض الخالي من الإمالة والعريضة وهو الأسلوب الذي بدأ مع توفيق فكرت .
ومحمد عاكف لم تعوزه ملكته اللغوية عن التعبير بكل يسر عن أعقد المسائل مثل المواضيع الميتافيزيقية وكذلك التعبير عن لغة إنسان الشارع العادي ، فقد توفرت لديه القدرة على صياغة الشعر الذي لم يتمكن أحد حتى ذلك العهد من صياغته ، فعل ذلك بجميع القوالب الشعرية تقريبا .
كانت الفترة الممتدة من بين عامي 1908 و 1922 من أكثر الفترات نشاطا في حياة الشاعر من ناحية إنتاج الشعر ونشره ، وهذه الفترة كانت من أشد فترات الدولة العثمانية اضطرابا من الناحية السياسية ، ومن أكثر الفترات اشتعالا بالحروب . وكان الإنتاج الوفير للمثقفين المستنيرين مساهمة منهم في تجاوز هذا الوضع الصعب . وإثر المشروطية الثانية وجدت التيارات السياسية والفكرية مجالا للتحرك والنشاط ، وانخرط عاكف في فريق أطلق على نفسه فيما بعد اسم « تيار الأسلمة » « إسلامجيليك » . وكما هو معلوم نشأ محمد عاكف في بيئة غذته بالثقافة الإسلامية الخالصة ممثلة في العائلة والمدارس وإطار الأساتذة والأصدقاء ، ولهذا السبب فإنه لم يقبل أي تنازل في عقيدته وأخلاقه ومنهج حياته المبني على الإسلام . وكل هذا بين أنه صاحب شخصية لا تقبل التعاون مع أصحاب الأفكار الأخرى إذا كانت مخالفة لروح الإسلام . ونلاحظ في كتابه المسمى « صفحات » مواقف واضحة ضد مفهوم « القومية » التي يرى أنها يمكن أن تكون سببا في تقسيم الدولة . وإلى جانب ذلك فهو إنسان مرتبط ارتباطا شديدا بأرض الوطن وبعلمه وقيم الأمة ( الشعب ) ولغتها وفنونها . بالإضافة إلى كل هذا ، كان عاكف معجبا بتطور الغرب في مجالات العلم والتقنية بل وحتى بعض المعاملات الأخلاقية . وهو بذلك مختلف عن بقية السياسيين الإسلاميين الآخرين ، بحيث كوّن لنفسه نظرة خاصة للأشياء .
ويمثل الجزء الأول من « الصفحات » لعاكف تعبيرا عن مثالية الإسلام في تفكيره ، وهذا يظهر في قصيدته « توحيد يا هود فرياد » وقصيدته « دورمايلم » ( لا ينبغي علينا الوقوف ) . وهذه القصائد تعبير عن فكرة الوحدة الإسلامية ، وهي تصوير كذلك لخطر الانحلال الأخلاقي الذي ظهر في الدولة إثر المشروطية الثانية مع ظهور التيارات السياسية داخل المجتمع . وقد كتب منظومة مطوّلة بيّن فيها مخاطر الدعوة إلى القومية ، ودعا الأمة الإسلامية إلى اليقظة وبيّن فيها كذلك أن الحل لمجابهة هذا الخطر هو إقامة الوحدة الإسلامية ، وكان عنوان هذه المنظومة « سليمانية كرسيسي » بمعنى « منبر السليمانية » ( 1912 ) . وفي هذه المنظومة كان عاكف يمثل عبد الرشيد إبراهيم من آسيا الوسطى ، وهذا الرجل جاب أطراف العالم الإسلامي وكان يدعو إلى النهضة ومحاربة الأفكار التي لا تمت للإسلام بصلة وينتقد بشدة ما فيه المسلمون من تخلف وضعف .
إلى جانب موضوع العقيدة عمل محمد عاكف
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 464
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٤٦٤