تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكواكب المشرقة في أنساب وتاريخ وتراجم الأسرة العلوية الزاهرة — صفحة 715

مساهمون:

ص٧١٥
ودعني في الجواب من حديث الشجاعة والعلم والفصاحة ، وغير ذلك من الخصائص التي رزقه اللّه سبحانه الكثير الطيّب منها . فضحك وقال لي : كم تجمع جراميزك عليّ . ثمّ قال : هاهنا مقدّمة ينبغي أن تعلم ، وهي أنّ أكثر الناس موتورون من الدنيا ، أمّا المستحقّون فلا ريب في أنّ أكثرهم محرومون ، نحو عالم يرى أنّه لا حظّ له في الدنيا ، ويرى جاهلا غيره مرزوقا وموسّعا عليه . وشجاع قد ابلي في الحرب ، وانتفع بموضعه ، ليس له عطاء يكفيه ، ويقوم بضروراته ، ويرى غيره وهو جبان فشل ، يفرق من ظلّه ، مالكا لقطر عظيم من الدنيا ، وقطعة وافرة من المال والرزق . وعاقل سديد التدبير ، صحيح العقل ، قد قدر عليه رزقه ، هو يرى غيره أحمق مائقا تدرّ عليه الخيرات ، وتتحلّب عليه أخلاف الرزق ، وذي دين قويم ، وعبادة حسنة ، واخلاص وتوحيد ، وهو محروم ضيّق الرزق ويرى غيره يهوديّا أو نصرانيّا أو زنديقا ، كثير المال حسن الحال . حتّى إنّ هذه الطبقات المستحقّة يحتاجون في أكثر الوقت إلى الطبقات التي لا استحقاق لها ، وتدعوهم الضرورة إلى الذلّ لهم ، والخضوع بين أيديهم ، إمّا لدفع ضرورة ، أو لاستجلاب نفع ، ودون هذه الطبقات من ذوي الاستحقاق أيضا ، ما نشاهده عيانا من نجّار حاذق أو بنّاء عالم ، أو نقّاش بارع ، أو مصوّر لطيف ، على غاية ما يكون من ضيق رزقهم ، وقعود الوقت بهم ، وقلّة الحيلة لهم ، ويرى غيرهم ممّن ليس يجري مجراهم ، ولا يلحق طبقتهم ، مرزوقا مرغوبا فيه ، كثير المكسب طيّب العيش ، واسع الرزق . فهذا حال ذوي الاستحقاق والاستعداد . وأمّا الذين ليسوا من أهل الفضائل ، كحشو العامّة ، فإنّهم أيضا لا يخلون من الحقد على الدنيا والذمّ لها ، والحنق والغيظ منها لما يلحقهم من حسد أمثالهم وجيرانهم ، ولا يرى أحد منهم قانعا بعيشه ، ولا راضيا بحاله ، بل يستزيد ويطلب حالا فوق حاله . قال : فإذا عرفت هذه المقدّمة ، فمعلوم أنّ عليّا عليه السّلام كان مستحقّا محروما ، بل هو أمير المستحقّين المحرومين ، وسيّدهم وكبيرهم ، ومعلوم أنّ الذين ينالهم الضيم وتلحقهم المذلّة والهضيمة ، يتعصّب بعضهم لبعض ، ويكونون إلبا ويدا واحدة على المرزوقين الذين ظفروا بالدنيا ، ونالوا مآربهم منها ، لاشتراكهم في الأمر الذي آلمهم وساءهم ،