تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكواكب المشرقة في أنساب وتاريخ وتراجم الأسرة العلوية الزاهرة — صفحة 718

مساهمون:

ص٧١٨
وبين خلق حمزة ، فاتّصف بهما نفس واحدة ، وأين هيولانيّة نفس حمزة وخلوّها من العلوم من نفس علي القدسيّة التي أدركت بالفطرة لا بالقوّة التعليميّة ما لم تدركه نفوس مدقّقي الفلاسفة الإلهيّين ، لو كان حمزة حيّ حتّى رأى من علي ما رآه غيره ، لكان أتبع له من طلّه ، وأطوع له من أبي ذرّ والمقداد . وأمّا قولك « هو العمّ والأعلى سنّا » فقد كان العبّاس العمّ والأعلى سنّا ، وقد عرفت ما بذله له وندبه إليه . ثمّ قال : ما زالت الأعمام تخدم أبناء الإخوة ، وتكون أتباعا لهم ، ألست ترى داود بن علي ، وعبد اللّه بن علي ، وصالح بن علي ، وسليمان بن علي ، وعيسى بن علي ، وإسماعيل بن علي ، وعبد الصمد بن علي ، خدموا ابن أخيهم ، وهو عبد اللّه السفّاح بن محمّد بن علي ، وبايعوه وتابعوه ، وكانوا امراء جيوشه وأنصاره وأعوانه ، ألست ترى حمزة والعبّاس اتّبعا ابن أخيهما صلوات اللّه عليه ، وأطاعاه ورضيا برئاسته ، وصدّقا دعوته ، ألست تعلم أنّ أبا طالب كان رئيس بني هاشم وشيخهم والمطاع فيهم ، وكان محمّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يتيمه ومكفوله ، وجاريا مجرى أحد أولاده عنده ، ثمّ خضع له واعترف بصدقه ، ودان لأمره ، حتّى مدحه بالشعر كما يمدح الأدنى الأعلى ، فقال فيه :
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل يطيف به الهلّاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل
وإنّ سرّا اختصّ به محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، حتّى أقام أبا طالب - وحاله معه حاله - مقام المادح له ، لسرّ عظيم وخاصيّة شريفة ، وإنّ في هذا لمعتبر عبرة أن يكون هذا الانسان الفقير الذي لا أنصار له ولا أعوان معه ، ولا يستطيع الدفاع عن نفسه ، فضلا عن أن يقهر غيره ، تعمل دعوته وأقواله في الأنفس ما تعمله الخمر في الأبدان المعتدلة المزاج ، حتّى تطيعه أعمامه ويعظّمه مربّيه وكافله ، ومن هو إلى آخر عمره القيّم بنفقته ، وغذاء بدنه ، وكسوة جسده ، حتّى يمدحه بالشعر كما يمدح الشعراء الملوك والرؤساء ، وهذا في باب المعجزات عند المنصف أعظم من انشقاق القمر ، وانقلاب العصا ، ومن انباء القوم بما يأكلون وما يدّخرون في بيوتهم . ثمّ قال رحمه اللّه : كيف قلت أظنّ جعفرا كان يبايعه ويتابعه ، ولا أظنّ في حمزة ذلك ،