تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكواكب المشرقة في أنساب وتاريخ وتراجم الأسرة العلوية الزاهرة — صفحة 713

مساهمون:

ص٧١٣
فأمّا إذا جعل السلطان فيهم ، والأمر إليهم ، فإنّه يكون قد عصمهم وحقن دماءهم بالرئاسة التي يصولون بها ، ويرتدع الناس عنهم لأجلها . ومثل هذا معلوم بالتجربة . ألا ترى أنّ ملك بغداد أو غيرها من البلاد لو قتل الناس ووترهم ، وأبقى في نفوسهم الأحقاد العظيمة عليه ، ثمّ أهمل أمر ولده وذرّيّته من بعده ، وفسح للناس أن يقيموا ملكا من عرضهم ، وواحدا منهم ، وجعل بنيه سوقة كبعض العامّة ، لكان بنوه بعده قليلا بقاؤهم ، سريعا هلاكهم ، ولوثب عليهم الناس ذوو الأحقاد والترات من كلّ جهة ، يقتلونهم ويشرّدونهم كلّ مشرّد . ولو أنّه عيّن ولدا من أولاده للملك ، وقام خواصّه وخدمه وخوله بأمره بعده ، لحقنت دماء أهل بيته ، ولم تطل يد أحد من الناس إليهم لناموس الملك ، وأبّهة السلطنة ، وقوّة الرئاسة ، وحرمة الإمارة . أفترى ذهب عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله هذا المعنى ، أم أحبّ أن يستأصل أهله وذرّيّته من بعده ؟ وأين موضع الشفقة على فاطمة العزيزة عنده ، الحبيبة إلى قلبه ؟ أتقول : إنّه أحبّ أن يجعلها كواحدة من فقراء المدينة ، تتكفّف الناس ، وأن يجعل عليا المكرّم المعظّم عنده ، الذي كانت حاله معه معلومة ، كأبي هريرة الدوسي وأنس بن مالك الأنصاري ، يحكّم الامراء في دمه وعرضه ونفسه وولده ، فلا يستطيع الامتناع ، وعلى رأسه مائة ألف سيف مسلول ، تتلظّى أكباد أصحابها عليه ، ويودّون أن يشربوا دمه بأفواههم ، ويأكلوا لحمه بأسنانهم ، قد قتل أبناءهم واخوانهم وآباءهم وأعمامهم ، والعهد لم يطل ، والقروح لم تتقرّف ، والجروح لم تندمل . فقلت له : لقد أحسنت فيما قلت ، إلّا أن لفظه عليه السّلام يدلّ على أنّه لم يكن نصّ عليه ، ألا تراه يقول : « ونحن الأعلون نسبا ، والأشدّون بالرسول نوطا » فجعل الاحتجاج بالنسب وشدّة القرب ، فلو كان عليه نصّ ، لقال عوض ذلك : « وأنا المنصوص علىّ ، المخطوب باسمي » . فقال رحمه اللّه : إنما أتاه من حيث يعلم ، لا من حيث يجهل ، ألا ترى أنّه سأله ، فقال : كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام ، وأنتم أحقّ به ؟ فهو إنّما سأل عن دفعهم عنه ، وهم أحقّ به من جهة اللحمة والعترة ، ولم يكن الأسدي يتصوّر النصّ ولا يعتقده ، ولا يخطر