ثمّ أذن له يوما بعد طول حبس ورقى عليّة طويلة ، وأمر خادما أن يتبعه بحيث لا يراه زيد ويسمع ما يقول ، فصعد زيد ، وكان بدينا ، فوقف في بعض الدرجة ، فسمعه يقول :
واللّه لا يحبّ الدنيا أحد إلّا ذلّ ، ثمّ صعد إلى هشام ، فحلف له على شيء ، فقال : لا أصدقك ، فقال : يا أمير المؤمنين إنّ اللّه لم يرفع أحدا عن أن يرضي باللّه ، ولم يضع أحدا عن أن لا يرضي بذلك منه .
فقال هشام : لقد بلغني يا زيد أنّك تذكر الخلافة وتتمنّاها ولست هنالك وأنت ابن أمة ، قال زيد : إنّ لك جوابا ، قال : فتكلّم .
قال : إنّه ليس أحد أولى باللّه ولا أرفع درجة عنده من نبيّ ابتعثه ، وقد كان إسماعيل ابن أمة وأخوه ابن صريحة ، فاختاره اللّه عليه وأخرج منه خير البشر ، وما على أحد من ذلك إذ كان جدّه رسول اللّه وأبوه علي بن أبي طالب ما كانت امّه ، قال له هشام : اخرج ، قال : أخرج ثمّ لا أكون إلّا بحيث تكره ، فقال له سالم : يا أبا الحسين لا تظهرنّ هذا منك .
فخرج من عنده وسار إلى الكوفة ، فقال له محمّد بن عمر بن علي بن أبي طالب : اذكّرك اللّه يا زيد لما لحقت بأهلك ولا تأت أهل الكوفة ، فإنّهم لا يفون لك ، فلم يقبل ، فقال له :
خرج بنا أسراء على غير ذنب من الحجاز إلى الشام ، ثمّ إلى الجزيرة ، ثمّ إلى العراق إلى قيس ثقيف يلعب بنا ، وقال :
بكرت تخوّفني المنون كأنّني * أصبحت عن عرض الحياة بمعزل
فأجبتها إنّ المنيّة منهل * لا بدّ أسقي بكأس المنهل
إنّ المنيّة لو تمثّل مثّلت * مثلي إذا نزلوا بضيق المنزل
فاقني حياءك لا أبا لك واعلمي * أنّي امرء سأموت إن لم اقتل
أستودعك اللّه وإنّي أعطي اللّه عهدا إن دخلت يد في طاعة هؤلاء ما عشت ، وفارقه وأقبل إلى الكوفة ، فأقام بها مستخفيا ينتقل في المنازل ، وأقبلت الشيعة تختلف إليه تبايعه ، فبايعه جماعة ، منهم سلمة بن كهيل ، ونصر بن خزيمة العبسي ، ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري ، وناس من وجوه أهل الكوفة .
وكانت بيعته إنّا ندعوكم إلى كتاب اللّه وسنّة نبيّه صلّى اللّه عليه وآله وجهاد الظالمين ، والدفع عن المستضعفين ، وإعطاء المحرومين ، وقسم هذا الفيء بين أهله بالسواء ، وردّ المظالم ،