وذكر عن أبي عبيدة أنّه قال : اتّبعوه إلى الثعلبيّة ، وقالوا له : نحن أربعون ألفا إن رجعت إلى الكوفة لم يتخلّف عنك أحد ، وأعطوه المواثيق والأيمان المغلظة ، فجعل يقول : إنّي أخاف أن تخذلوني وتسلموني كفعلكم بأبي وجدّي ، فيحلفون له ، فيقول داود بن علي :
يا بن عمّ إنّ هؤلاء يغرّونك من نفسك ، أليس قد خذلوا من كان أعزّ عليهم منك جدّك علي بن أبي طالب حتّى قتل ، والحسن من بعده بايعوه ثمّ وثبوا عليه ، فانتزعوا رداءه من عنقه وانتهبوا فسطاطه وجرحوه ، أوليس قد أخرجوا جدّك الحسين وحلفوا له بأوكد الأيمان ثمّ خذلوه وأسلموه ؟ ثمّ لم يرضوا بذلك حتّى قتلوه ، فلا تفعل ولا ترجع معهم ، فقالوا : إنّ هذا لا يريد أن تظهر أنت ، ويزعم أنّه وأهل بيته أحقّ بهذا الأمر منكم .
فقال زيد لداود : إنّ عليّا كان يقاتله معاوية بدهائه ونكرائه بأهل الشام ، وإنّ الحسين قاتله يزيد بن معاوية والأمر عليهم مقبل ، فقال له داود : إنّي لخائف إن رجعت معهم أن لا يكون أحد أشدّ عليك منهم وأنت أعلم . ومضى داود إلى المدينة ، ورجع زيد إلى الكوفة .
وقال عبيد بن جناد ، عن عطاء بن مسلم الخفّاف ، قال : كتب هشام إلى يوسف أن أشخص زيدا إلى بلده ، فإنّه لا يقيم ببلد غيره فيدعو أهله إلّا أجابوه ، فأشخصه ، فلمّا كان بالثعلبيّة أو القادسيّة لحقه المشائيم - يعني أهل الكوفة - فردّوه وبايعوه ، فأتاه سلمة بن كهيل ، فاستأذن عليه ، فأذن له فذكر قرابته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وحقّه ، فأحسن ، ثمّ تكلّم زيد فأحسن .
فقال له سلمة : اجعل لي الأمان ، فقال : سبحان اللّه مثلك يسأل مثلي الأمان ، وإنّما أراد سلمة أن يسمع ذلك أصحابه ، ثمّ قال : لك الأمان ، فقال : نشدتك باللّه كم بايعك ؟ قال :
أربعون ألفا ، قال : فكم بايع جدّك ؟ قال : ثمانون ألفا ، قال : فكم حصل معه ؟ قال :
ثلاثمائة ، قال : نشدتك اللّه أنت خير أم جدّك ؟ قال : بل جدّي ، قال : أفقرنك الذي خرجت فيهم خير أم القرن الذي خرج فيهم جدّك ؟ قال : بل القرن الذي خرج فيهم جدّي .
قال : أفتطمع أن يفي لك هؤلاء وقد غدر أولئك بجدّك ؟ قال : قد بايعوني ووجبت البيعة في عنقي وأعناقهم ، قال : أفتأذن لي أن أخرج من البلد ؟ قال : لم ؟ قال : لا آمن أن يحدث في أمرك حدث فلا أملك نفسي ، قال : قد أذنت لك ، فخرج إلى اليمامة ، وخرج زيد فقتل وصلب .
الكواكب المشرقة في أنساب وتاريخ وتراجم الأسرة العلوية الزاهرة — صفحة 108
مساهمون: السيد مهدي الرجائي
ص١٠٨