رغيفين ، فأخذهما أبو ذرّ فقلّبهما ؛ فقال له سلمان : لأي شيء تقلّبهما ؟ قال :
خفت ألّا يكونا نضيجين ؛ فغضب سلمان ، ثمّ قال : ما أجراك حيث تقلّبهما ! فو اللّه ! لقد عمل في هذا الخبر الماء الّذي تحت العرش ، وعملت فيه الملائكة حتّى ألقوه إلى الريح ، وعملت فيه الريح حتّى ألقته إلى السحاب ، وعمل فيه السحاب حتّى أمطره إلى الأرض ، وعمل فيه الرعد والبرق والملائكة حتّى وضعوه مواضعه ، وعملت فيه الأرض والخشب والحديد والبهائم والنار والحطب والملح ، وما لا أحصيه أكثر ؛ فكيف لك أن تقوم بهذا الشكر ؟ ! فقال أبو ذرّ : إلى اللّه أتوب وأستغفر إليه ممّا أحدثت .
وفيه أيضا : دعا سلمان أبا ذرّ ذات يوم إلى ضيافته ، فقدّم إليه من جرابه كسرة يابسة وبلّها من ركوته ؛ فقال أبو ذرّ : ما أطيب هذا الخبز لو كان معه ملح ! فقام سلمان ورهن ركوته بملح وحمله إليه ، فجعل أبو ذرّ يأكل ذلك الخبز ويذرّ عليه ذلك الملح ويقول : الحمد للّه الّذي رزقنا هذه القناعة . فقال سلمان : لو كانت لك قناعة لم تكن ركوتي مرهونة « 1 » .
وعن كتاب المحاسن : وقع حريق في المدائن فأخذ سلمان سيفه ومصحفه وخرج من الدار ، وقال : هكذا ينجو المخفّون « 2 » .
وروى الكافي خبرا عن الصادق - عليه السّلام - في محاجّته مع الصوفيّة الحاملين الناس على تعطيل أمر الدنيا ، وفيه بعد استدلاله - عليه السّلام - على بطلان طريقتهم بالكتاب والسنّة ، قال - عليه السّلام - : ثمّ من قد علمتم في فضله وزهده سلمان وأبو ذرّ ؛ فأمّا سلمان : فكان إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته لسنته حتّى يحضر عطاءه من قابل ، فقيل له : أنت في زهدك تصنع هذا ؟
هامش
( 1 ) عيون أخبار الرضا - عليه السّلام - : 2 / 52 ب 31 ح 203 .
( 2 ) لم أجده في محاسن البرقي . نعم رواه ورّام بن أبي فراس قدّس سرّه في مجموعته ج 2 ض 218 .