الشّعر المستعار
إن كان للمدنية الحديثة يد طولى في ابتكار أساليب التجميل ، والتفنّن في ضروبها ، فإنّ المدنية القديمة لم تعدم نصيبها من هذا الشأن . وقد وقفنا على أخبار شتّى تدلّ على ما كان من عناية الأقدمين بستر معايب الجسم ، وإخفاء نقائصه ، والظهور بمظهر رضى مقبول . ومن ذلك اتخاذ الشّعر المستعار ، أي المصطنع للرأس أو للحية . فقد قال أبو الفرج الأصفهاني في جملة مرويّاته : « إن ابن سريج المغنّي الشهير « يبلغ خمسا وثمانين سنة ، وصلع ، فكان يلبس جمّة مركبّة ، وكان أكثر ما يرى مقنّعا . . . » ثم قال في الصفحة ذاتها : إنه « صلع ، فكان يلبس جمّة ، وكان لا يغنّي إلّا مقنّعا يسبل القناع على وجهه » « 1 » .
ونظير ذلك ما رواه الأصفهاني في حكاية طريفة ، جاء فيها أن جميلة المغنّية الذائعة الصيت « جلست يوما ولبست برنسا « 2 » طويلا ، وألبست من عندها برانس دون ذلك .
وكان في القوم ابن سريج ، وكان قبيح الصلع قد اتخذ وفرة « 3 » شعر يضعها على رأسه .
وأحبّت جميلة أن ترى صلعته ، فلما بلغ البرنس إلى ابن سريج قال : دبّرت عليّ ورب الكعبة ! وكشف صلعته ووضع القلنسية على رأسه ، وضحك القوم من قبح صلعته » « 4 » .
إلى أن قال : « ثم دعت بثياب مصبّغة ووفرة شعر مثل وفرة ابن سريج ، فوضعتها على رأسها ودعت للقوم بمثل ذلك فلبسوا . . . » « 5 » .
ومما رواه الأصفهاني في هذا الصدد ، أنّ جميلة هذه « جلست يوما للوفادة عليها ، وجلت على رؤوس جواريها شعورا مسدلة كالعناقيد إلى أعجازهنّ ، وألبستهنّ أنواع
هامش
( 1 ) الأغاني ( 1 : 249 طبعة دار الكتب المصرية ) .
( 2 ) البرنس على ما في تاج العروس ( 4 : 108 ) قلنسوة طويلة كان الناس يلبسونها في صدر الإسلام .
( 3 ) الوفرة وجمعها الوفار : ما سال من الشعر على الأذنين .
( 4 ) الأغاني ( 8 : 226 ) .
( 5 ) الأغاني ( 8 : 227 ) .