الشواهد على ذلك ما رواه ابن إياس في حوادث سنة 751 ه ( 1350 م ) من أن السلطان الملك الناصر أبا المحاسن حسن بن الملك الناصر محمد بن المملوك المنصور قلاوون « أبطل ما أحدثه النساء من القمصان التي خرجت في كبر أكمامها عن الحد ، وأبطل ما أخرجوه من الأزر الحرير والأخفاف الزركش ؛ فأشهروا المناداة في القاهرة بإبطال ذلك ، فرجعت النساء عن ذلك » « 1 » .
ونظير ذلك ما حكاه ابن كثير في أحداث سنة 762 ه ( 1360 م ) أن « في العشر الأوسط من جمادى الآخرة ، نادى مناد من جهة نائب السلطنة حرسه اللّه تعالى في البلد [ دمشق ] ، إن النساء يمشين في تستر ، ويلبسن أزرهنّ إلى أسفل من ثيابهن ، ولا يظهرن زينة ولا يدا . فامتثلن ذلك » « 2 » .
ومثله ما رواه شمس الدين محمد بن طولون ، عن ناصر الدين بن شبل المحتسب أنه في سنة 830 ه ( 1426 م ) « أنكر على النساء لبس الطواقي ، ومنعهن ، وبالغ حتى أحرق بعض القصع » « 3 » من على رؤوسهن بما عليها من المناديل ، فامتنع النساء من الخروج « 4 » .
وكانت بعض النساء ينتهزن الفرص للخروج إلى المتنزهات والظهور بأزيائهن المختلفة ، بما لا يكون مرضيا في بعض الأحيان ؛ فكن يلقين ممانعة من أولي الأمر وامتعاضا من مسلكهن البعيد عن الاحتشام . فمن ذلك ما نقله المقريزي في بعض كتبه ، وإليك كلامه بحرفه :
« وقال جامع سيرة الناصر محمد بن قلاوون : وفي سنة ست وسبعمائة ( 1306 م ) ، رسم الأميران بيبرس وسلار بمنع الشخاتير « 5 » والمراكب من دخول الخليج الحاكمي [ خارج القاهرة ] والتفرج فيه بسبب ما يحصل من الفساد والتظاهر بالمنكرات اللاتي تجمع الخمر ، وآلات الملاهي ، والنساء المكشوفات الوجه ، المتزينات بأفخر زينة من
هامش
( 1 ) بدائع الزهور في وقائع الدهور ( 1 : 193 ) .
( 2 ) البداية والنهاية في التاريخ ( 14 : 280 ) .
( 3 ) القصع ، واحدتها القصعة : قطعة خشبية مستديرة بحجم أعلى الرأس ، تضعها المرأة فوق رأسها وتغطيها بالقماش . وهي ما زالت متخذة عند بعض القرويات في شمالي العراق .
( 4 ) اللمعات البرقية في النكت التاريخية ( ص 63 ) .
( 5 ) الشخاتير ، واحدها الشختور ؛ ضرب من السفن النهرية .