مناهضة أزياء النساء قديما
بلغت النساء في عصرنا مبلغا عظيما من التفنن في ضروب الملبس وابتكار صنوفه .
فأضحينا نرى أو نقرأ بين الفينة والأخرى عن زي جديد يشيع بين طبقات منهن ، ثم لا يلبث أن ينقلب أمره فيصبح قديما مستهجنا في أنظارهن ، فيهمل استعماله ويعدل عنه إلى غيره .
ومثل هذا التقلب بين الأزياء لا يمكننا عده بدعة جديدة أو أمرا مستحدثا ؛ فإن من يتصفح الأسفار القديمة ، لا يعتم أن تستوقفه أخبار من هذا القبيل . ومما يلفت الأنظار إليه بوجه خاص ، ما كانت تلقاه بعض الأزياء من معارضة واستنكار ممن كانت بأيديهم مقاليد الحكم والتدبير . وقد وجدنا أحد المؤلفين الأقدمين ، وهو ابن الأخوة القرشي الشافعي ، المتوفى سنة 729 للهجرة ( 1328 م ) ينفي على نساء عصره ما انتهين إليه من سوء الحال في الأزياء المتكلّف فيها والتصنع الممقوت في المظهر ، كما يبدو من عبارته التالية :
« والنساء في هذا المقام أشد تهالكا من الرجال ، ولهن محدثات من المنكر أحدثها كثرة الإرفاه والإتراف ، وأهمل إنكارها حتى سرت في الأوساط والأطراف . فقد أحدثن الآن من الملابس ما لا يخطر للشيطان في حساب ، وتلك لباس الشهرة التي لا يستتر منها إسبال مرط « 1 » ولا أدنى جلباب . ومن جملتها أنهن يعتصبن عصائب كأمثلة الأسنمة ، ويخرجن من جهارة أشكالها في الصورة المعلمة » « 2 » .
وكانت بعض أزياء النساء قد أصابت مقاومة عنيفة ، لما كانت تنطوي عليه من غرابة وتبذّل ، فعمد أكابر القوم إلى إبطالها بما وسعته طاقتهم وأسعفهم سلطانهم . ومن
هامش
( 1 ) المرط : الثوب الفاخر الناعم والجمع : المروط .
( 2 ) معالم القرية في أحكام الحسبة ( ص 157 من طبعة كمبردج ) .