المباقل المحمولة
نقل البقول الطرية في ترابها من موطن إلى آخر ، أمر مألوف في عصرنا ، نظرا إلى ما توصل إليه البشر من التحسين والتفنن في أساليب الزراعة والاستنبات . أما نقلها في الأزمنة القديمة فقد كان عملا حريّا بالاعتبار جديرا بالتقدير ، خاصة إذا أريد نقلها إلى مسافات بعيدة ، كالذي رواه هلال بن المحسن الصابئ ، في عرض كلامه على سرعة النقل من بلد إلى بلد في العهد العباسيّ ، بقوله إن الهليون « 1 » وكان يحمل إلى المعتصم « 2 » باللّه صلوات اللّه عليه ، من دمشق في المراكم « 3 » الرصاص ، فتصل في اليوم السادس » « 4 » .
« وشبيه بذلك ما رواه الثعالبي « 5 » من أن جميلة بنت ناصر الدولة الحمداني ، لما حجّت سنة 366 ه ( 976 م ) . حجتها التي ذاع خبرها في التاريخ ، واشتهرت كثيرا بما أظهرته فيها من الإسراف والبذخ « كانت استصحبت البقول المزروعة في مراكن الخزف على الجمال » « 6 » .
ومثل ذلك ما قاله ابن كثير في حوادث سنة 604 للهجرة ( 1207 م ) من أن الصدر جهان البخاري الحنفي حينما خرج إلى الحجّ في تلك السنة « ضيّق على الناس في المياه والميرة ، فمات بسبب ذلك ستة آلاف من حجيج العراق ، وكان فيما ذكروا يأمر غلمانه فتسبق إلى المناهل ، فيحجزون على المياه ويأخذون الماء فيرشونه حول خيمته في قيظ
هامش
( 1 ) الهليون : نبت طبي ذو منافع مختلفة ، ذكرها مؤلفو كتب المفردات الطبية .
( 2 ) ثامن الخلفاء العباسيين ( 218 - 227 ه - 833 - 842 م ) وهو باني مدينة سامراء .
( 3 ) المراكن ، واحدها المركن : إناء كبير كالطشت تغسل فيه الثياب ، ويتخذ أيضا لحفظ البقول والأثمار حين يراد نقلها من موطن إلى آخر .
( 4 ) رسوم دار الخلافة ( مخطوط ص 19 ) وقد حققه أخي ميخائيل عواد .
( 5 ) انظر : لطائف المعارف للثعالبي ( تحقيق الأبياري والصيرفي ) ص 82 - 83 والنجوم الزاهرة 4 : 126 .
( 6 ) ثمار القلوب في المضاف والمنسوب للثعالبي ( ص 162 ) ومطالع البدور في منازل السرور للغزولي ( 2 : 8 ) نقلا عن لطائف المعارف للثعالبي .