غسل الكتابة « 1 »
كانت الحاجة إلى الورق وندرته في العصور الخالية تلجئان النسّاخ الأقدمين إلى أن يكشطوا كتابة بعض خزائن الكتب نماذج من هذا القبيل . ففي خزانة المتحف البريطاني مثلا مخطوطة قديمة العهد على الرقّ ، كتبت أوّلا باللغة اليونانية ، ثم عمد أحد النسّاخ الشرقيين إلى محو الكتابة وإحلال كتابة إرمية محلها ؛ ولكن آثار الكتابة الأولى ما زالت واضحة بيّنة في بعض المواطن كأنها تريد أن تعلن عن أصلها الغابر . وفي بعض الخزائن الكبرى أيضا ، رقوق فيها خطوط قديمة ، كتب فوقها خطوط جديدة ، وهذا ما يعبّر عنه الفرنج بلفظة
Palimpseste
.
وقد وقفنا على ما يشبه هذا العمل ، مع الاختلاف في الأسلوب والغرض ، وذلك فيما صنعه بعض الناس بكتاباتهم أو بكتابات غيرهم ؛ فقد كانوا يعمدون إلى غسل الكتابة ، بأن يضعوا الكتب أو الأوراق المخطوطة في الماء مدة من الزمن ، فينحلّ حبرها وتطمس كتابتها وتشوّش معالمها ، وذلك للتخلص ممّا فيها من أقوال أو آراء لا يرغب في الإبقاء عليها ولا في الاحتفاظ بها . فكان من يقدم على إتلاف تلك الكتابات إنما غرضه التبرؤ مما كتب أو التوبة إلى اللّه عمّا صنع ، أو تلافي ما فرط منه . من ذلك ما حكاه ابن حجر العسقلاني أنّ صدر الدين ابن الوكيل ، المتوفّى سنة 716 للهجرة ( 1316 م ) كان « إذا مرض غسل ما نظمه من الشّعر » « 2 » ، فكأنّ منظوماته أشعرته بأنها تنافي المطالب الدينية ، وتحول بينه وبين رضا اللّه عنه .
ونظير ذلك ما قاله ابن حجر العسقلاني أيضا عن عليّ بن الحسن بن عبد اللّه بن
هامش
( 1 ) * للمؤلف مبحث عنوانه ( الورق أو الكاغذ ) تناول فيه هذا الموضوع وسواه ممّا يخص الورق انظره في موضعه من هذا الكتاب .
( 2 ) الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ( 4 : 130 ) .