الآثار العراقية
1 - تصدير
ليس من اليسير على الباحث ، أن يتناول في صحائف قلائل ، موضوعا عامّا ، واسع النطاق كالبحث عن الآثار العراقية القديمة . لأن العراق ، أو بتعبير تاريخيّ أدق ، « وادي الرافدين » ، من الأقطار الغنية بآثارها العريقة في مجدها وحضارتها .
ومعروف لدى الباحثين ، أن أقدم المدنيات هي تلك التي سايرت ضفاف الأنهار :
فمدنية الرافدين مثلا نشأت عند شواطئ دجلة والفرات وسواعدهما ، والمدنية المصرية قامت على ضفاف النيل ، كما أن المدنية الهندية كان منبتها على جوانب السند . . .
وبوسعنا أن نقول إن للأنهار في فجر الحضارات البشرية شأنا يفوق شأن البحار ، وذلك نظرا إلى سهولة الاستفادة من الأولى في قديم الزمان ، وصعوبتها من الثانية . فالبحار في عرف الأقدمين كانت أشبه شيء بالصحارى من وجهة الاستفادة ! وعليه لا غرو إذا كانت الحضارة في أول نشوتها ألصق بالجهات النهرية منها بالجهات البحرية !
إن حضارة ما بين النهرين لم تكن تحدّها حدود جغرافية حاسمة ، بل كانت تبدأ شمالا بمنابع دجلة والفرات ، ثم تسير جنوبا حيث يسيران حتى يبلغا البحر . على أن هذه الحضارة كان ينتابها تمددات وتفرعات وفقا للظروف والأحوال ! فقد دلّنا التاريخ على أنها كانت تنعطف أحيانا غربا حتى تشمل أعالي سورية ، أعني سقي الفرات الشمالي والخابور ، ولعلها كانت تمتد في بعض الأحيان الأخرى إلى أكثر من ذلك ، فتشمل سقي الأردن أيضا ! وهذا ما حمل بعض العلماء المعاصرين على تسمية تلك البقعة بأسرها باسم « الهلال الخصيب » ، أحد رأسيه في جنوبي العراق وثانيهما في جنوبي فلسطين . والحق أن هذا الهلال لمن أخصب بقاع العالم ، كما أنه من أقدم المواطن التي عمرت بالسكان .
ولقد توالت على وادي الرافدين منذ آلاف السنين ، دول عديدة ، وأنبثت في سهوله