8 - الورق :
ثم ظهر الورق . ويعد إنتاجه من أعظم ما توصّلت إليه البشرية ، بكونه مادة ليّنة ، طيّعة ، رخيصة الثمن ، خفيفة الحمل ، تسهل الكتابة عليها . فبانتشار الورق ، كثرت الكتب كثرة هائلة منقطعة النظير ، واتّسعت آفاق العلم والمعرفة في سائر أنحاء العالم أيّما اتّساع .
وعندنا ، أنّ التوصّل إلى صناعة الورق ، يعدّ أحد الأركان الثلاثة التي قامت عليها الحضارة في العالم وتكاملت وازدهر شأنها :
وأول هذه الأركان ، هو توصّل الإنسان إلى الكتابة .
وثانيه : توصّله إلى صناعة الورق .
وثالثها : توصله إلى الطباعة .
فالورق ، ساعد البشر على السير بخطى واسعة في ميادين العلم والثقافة . فكانت العلوم والآداب ، قبل أن يتوصل الإنسان إلى صنعة محدودة ، محصورة في طبقة معينة من الناس .
وبانتشار الورق ، تضاءل شأن الجلود والرقوق وأوراق البردي ، حتى بطل استعمالها واختفت نهائيا .
وأقدم ما عرف من صنوف الورق : الورق السمرقندي ، نسبة إلى سمرقند ، وهي اليوم في أوزبكستان ، إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي في أواسط آسيا ، وقد عمت شهرة الورق السمرقندي الأقطار . وظلت سمرقند تمد البلاد الأخرى بما تنتجه معاملها من ورق .
ولكن الحال لم تدم طويلا . فالأخبار التاريخية تنبئ أنّ صناعة الورق لم تلبث أن خرجت من مكمنها وتسرّبت إلى بعض البلدان الشهيرة ، وفي طليعتها مدينة بغداد .
وقد أنشئ أول معمل لصنع الورق ببغداد ، في الربع الأخير من القرن الثاني للهجرة ( - ق 8 م ) .
على أنّ تحسينا كبيرا طرأ على صناعة الورق في بغداد ، ولا سيما في عهد هارون