عثور الجدود على النقود
تزدخر دور الآثار في بقاع العالم المختلفة ، بمجاميع من النقود القديمة ، ويتنافس الهوون « 1 » « 2 » للطرائف والتحف في اقتناء ما يقع إليهم من نوادر قطعها .
وللنقود الإسلامية بين هاتيك المجاميع الشأن الرفيع : فقلّ أن تخلو دار تحف من طائفة منها ، وهي لعمر الحقّ شيء كثير وفير ! ذلك أنها لم تضرب في عصر واحد ، ولا في قطر دون آخر . بل كان الخلفاء والأمراء والسلاطين وغيرهم من صدور الناس ورؤسائهم ، منذ أوائل أيام بني أمية ، حتى الأزمنة المتأخرة القريبة عهد بنا ، يعنون أبلغ العناية في ضرب نقود الذهب والفضة والنحاس بأسمائهم ، فكان لهم الدنانير والدراهم والدوانيق والفلوس وغير ذلك من أصناف النقود التي كانوا يتعاملون بها . ولا مشاحة في أنه تتكوّن بدرس ما كتب على وجوه هاتيك النقود ، من أعلام الناس ، وأسماء المدن ، وسني الضرب ، وغير ذلك من المدوّنات الجليلة الفائدة ، صفحة كاملة ، أو تكاد تكون كاملة ، يتمثل لنا فيها « تاريخ الإسلام » في ماضيه البعيد والقريب .
ولو أن ما ضرب من النقود حوفظ عليه مدى الأجيال والسنين الخالية ، وانتهى إلينا بكماله ، لصار لنا من ذلك التراث الجسيم كنوز تملأ خزائن بأسرها . ولكن هيهات أن يكون ذلك ! فإنّ العوامل المختلفة تضافرت على إضاعة أغلب ذلك التراث ، وقد افترستها يد الإنسان العاتية ، التي لا تفتأ تهدم اليوم ما بنته أمس ، وتتلف ما أصلحت ، وتبيد ما صنعت ، عمدت إلى كثير من تلك النقود ، فكسرت هذه ، وقرضت من هاتي ، وصهرت تلك ، ومحت ما على الأخرى . فأضاعت الشيء الكثير من تلك المخلّفات المثمّنة ، وعندنا من الشواهد والأمثلة على مثل هذا التصرّف الرديء ما يكفي في إثبات ما نقول :
هامش
( 1 ) الهوون جمع الهوي أي المعنيّ . وهو يقابلAmateurفي الانكليزية والفرنسية .
( 2 ) * الهوون : الكلمة المستخدمة اليوم : الهواة .