ولما كانت الحفريات التي جرت في البنايات الرسمية كالقصور والمعابد والتحصينات قد أوضحت على الأقل عصر نبوخذنصر ، ففي إمكاننا الآن أن نتعقب في مدينة السكنى مسالك الشوارع ومواقع البيوت خلال بضعة قرون . وقد لوحظ من ذلك أن هذه المدينة المأهولة لم تتغير تغيرا محسوسا منذ منتصف الألف الثاني ( ق . م . ) حتى العصر البارثي . وقد عثر في الأمتار الثلاثة العليا من الأنقاض المطمورة تحت سطح « المركز » ، على بيوت بارثية حقيرة . وعند اختراق طبقة سمكها 4 أمتار أخرى تحت هذه ، تظهر البيوت التي كانت قائمة في أزهر أيام بابل ، أي عندما كانت تحت سيطرة حكام الدور البابلي الحديث ، بل حتى الأدوار الفارسية والسلوقية التي لم تكشف بعد .
وهناك طبقة مأهولة « بابلية - آشورية » منذ نحو 1200 - 600 ق . م . ، ترينا العصر التالي ، هذا ولا زال هناك طبقة أعمق من السابقة تضم بين طياتها بقايا بيوت من الدور الكاسي وكان تحت هذه البقايا ، مما هو في قعر الماء لليوم ، بنايات متخربة تعود إلى دور أول سلالة بابلية حيث يظهر زمن حمورابي . وقد عرفت بقراءة الألواح المدون عليها بعض شؤون هذا العصر الذي أصبحت بابل فيه عاصمة الشمال والجنوب المنضمين إلى بعضهما .
ولا تختلف مخططات بيوت السكنى البابلية كثيرا عما نراه مستعملا اليوم في أغلب بيوت المدن العراقية ، التي يقصد منها السكنى : فهي مغلقة من الخارج بينما تقام غرفها حول صحن داخلي بصورة مباشرة أو غير مباشرة ؛ إن بيوت السكنى المبنية جيدا في بابل تعطينا فكرة حسنة عن شؤون الحياة البابلية المعتادة ، وخاصة ما كان منها يعود إلى الدور البابلي الحديث . وكانت إحدى المحلات الشمالية في « المركز » قد اتخذت معبدا لعشتار اقادي .
وعثر في مدينة السكنى على عدد هائل من القبور البابلية التي يتراوح تاريخها بين سنة 1500 و 300 ق . م . ، لأنه كثيرا ما كان يوضع الموتى في جرار فخارية من مختلف الأشكال ومتعدد الأوضاع ، ويدفنون ضمن محلات مدينة السكنى المتخربة . إن جميع المقابر المنقب فيها تقريبا ، وكذا بيوت السكنى قد تراكم عليها التراب من جديد ، بحيث لم يعد ممكن رؤية شيء منها اليوم ، إلا معبد عشتار الذي يمكن تمييز بعض أقسامه للآن .
الذخائر الشرقية — صفحة 30
مساهمون: كوركيس عواد
ص٣٠