إنشاء مدينة المنصور ، شيد عند هذا الدير القصران المشهوران المعروفان بقصر الخلد وقصر القرار « 1 » .
كانت الديارات تنشأ في العادة ، في المواقع الخصبة التي تتوفر فيها مياه الإرواء وتكثر فيها الجنان والغياض والأغراس من الأشجار والرياحين . وهذه كانت في أكثر الحالات عند ذنائب الأنهار ومصباتها . ولذلك نرى أن الخلفاء العباسيين كان يقع اختيارهم في الأكثر على ما يجاور هذه الديارات لإنشاء قصورهم وبساتينهم فيها . ففي جوار الدير العتيق الذي نحن بصدد الكلام عليه ، أنشئ قصر الخلد في عهد المنصور وكذلك قصر القرار بعد ذلك بمدة يسيرة « 2 » . كما أنشأ معز الدولة البويهي قصره المشهور بالدار المعزية « 3 » في جوار دير درمالس . وأنشأ الأمين قصره عند دير الزندورد « 4 » . ثم أن مدينة المنصور نفسها كانت محفوفة من أكثر أطرافها بالديارات .
كان موقع الدير العتيق ، وهو دير مار فثيون ، في جنوب قصر الخلد بقليل ، وذلك عند مصب نهر الصراة بدجلة ، على ما سبقت الإشارة إليه . وجاء في « دليل خارطة بغداد » للدكتورين مصطفى جواد وأحمد سوسة ( ص 75 ) ، أن من المحتمل أن المنصور الحق قسما من حدائق الدير بقصر الخلد الذي اشتهر بحدائقه الواسعة .
وقد ذكر ماري بن سليمان ، في ترجمة الجاثليق سبريشوع « 5 » ، أنه « جدد أبنية مار فثيون ، وهذا كان قديما في أيام الفرس « 6 » . ولما بنى المنصور مدينته ونزلها الناس ، وهدم سبريشوع تلك الأبنية لأجل من تغلب عليها ، ولم يتعرض للهيكل والمذبح . وجدد بناء بيت الإشهاد والأروقة » « 7 » .
وذكر كل من ماري بن سليمان وعمرو بن متى ، في أثناء ترجمة الجاثليق أنوش ،
هامش
( 1 ) دليل خارطة بغداد قديما وحديثا . ( ص 9 ) .
( 2 ) دليل خارطة بغداد قديما وحديثا . ( ص 36 - 37 ) .
( 3 ) عن « الدار المعزية » راجع ما كتبناه في مجلة « سومر » ( 10 ( بغداد 1954 ) ص 197 - 217 ) .
( 4 ) سبق الكلام على « دير درمالس » و « دير الزندورد » في القسم الأول من بحثنا هذا . ( مجلة مجمع اللغة السريانية 2 : 56 - 59 ، 62 - 65 ) .
( 5 ) صار جاثليقا سنة 832 م ، وتوفي سنة 839 م .
( 6 ) يقصد أيام الدولة الساسانية .
( 7 ) أخبار فطاركة كرسي المشرق : لماري بن سليمان . ( ص 76 - 77 ) .