- الاستعداد لمعركة الزلّاقة « 1 » .
قال عبد المنعم الحميري في « الروض المعطار » ( نفح الطيب 4 : 362 ) :
فلمّا عبر يوسف وجميع جيوشه إلى الجزيرة الخضراء انزعج « 2 » إلى أشبيلية على أحسن الهيئات : جيشا بعد جيش ، وأميرا بعد أمير ، وقبيلا بعد قبيل « 3 » . وبعث المعتمد ابنه إلى لقاء يوسف ، وأمر عمّال البلاد بجلب الأقوات والضّيافات . ورأى يوسف من ذلك ما سرّه ونشّطه . وتواردت الجيوش مع أمرائها على إشبيلية . وخرج المعتمد إلى لقاء يوسف من إشبيلية في مائة فارس ووجوه أصحابه . فلمّا أتى محلّة يوسف ركض نحو القوم ، وركضوا نحوه . فبرز إليه يوسف وحده ، والتقيا منفردين وتصافحا وتعانقا ، وأظهر كلّ منهما لصاحبه المودّة والخلوص « 4 » ، وشكرا نعم اللّه تعالى وتواصيا بالصّبر والرحمة وبشّرا أنفسهما بما استقبلاه من غزو أهل الكفر ، وتضرّعا إلى اللّه تعالى في أن يجعل ذلك خالصا لوجهه مقرّبا إليه ، وافترقا . . . . .
وكان الأذفونش « 5 » لمّا تحقّق الحركة والحرب استنفر جميع أهل بلاده وما يليها وما وراءها . ورفع القسّيسون والرّهبان والأساقفة صلبانهم ونشروا أناجيلهم . فاجتمع إليه من الجلالقة والإفرنجة « 6 » ما لا يحصى ، وجواسيس كلّ فريق تتردّد بين الجميع . وبعث الأذفونش إلى ابن عبّاد أنّ صاحبكم يوسف قد تعنّى « 7 » من بلاده وخاض البحور ، وأنا أكفيك العناء فيما بقي ولا أكلّفكم تعبا : أمضي وألقاكم في بلادكم رفقا بكم وتوفيرا عليكم « 8 » .
هامش
( 1 ) راجع ، فوق ، 5 : 33 .
( 2 ) الجزيرة الخضراء في جنوبي الأندلس . انزعج : انتقل .
( 3 ) القبيل : القوم تجمعهم قرابة . ( كان كلّ جيش من الجيوش - أو كلّ قسم من الجيش الواحد - يتألّف من جنود ينتمون إلى قبيلة واحدة أو إلى قبائل متقاربة في النسب ) .
( 4 ) الخلوص : الصفاء .
( 5 ) الأذفونش لقب ملوك قشطالة . والأذفونش المقصود هنا هو الفونس ( ألفونسو ) السادس ملك ليونة ( 1065 م ) وقشطالة ( منذ 1072 م ) وكانت هزيمته في معركة الزلّاقة سنة 1086 م ( 479 للهجرة ) .
( 6 ) الجلالقة أهل جلّيقية ( الشمال الغربي من إسبانية . الإفرنجة ( سكّان غالة : فرنسة اليوم ) .
( 7 ) تعنّي : تعب ، تكلّف القيام بأمر فيه مشقّة . العناء : التعب .
( 8 ) في هذه الجمل تهكّم .