من سرعة هجوم الطالب على اسم الموضع الخاصّ من غير تكلّف عناء « 1 » ولا تجشّم تعب « 2 » . فقد صار هذا الكتاب محتويا على فنّين مختلفين : أحدهما ذكر الأقطار والجهات وما اشتملت عليه من النّعوت والصّفات ؛ وثانيهما الأخبار والوقائع والمعاني المختلفة بها الصادرة عن مجتليها « 3 » . واختلست ( في ) ذلك ساعات زماني وجعلته فكاهة نفسي . وأنصبت فيه فكري وبدني ورضته « 4 » حتى انقاد للعمل وجاء حسب الأصل فأصبح طاردا للهموم ملقيا للغموم وشاهدا بقدرة القيّوم « 5 » مغنيا عن مؤانسة الصحب منبّها على حكمة الربّ باعثا على الاعتبار مستحضرا لخصائص الأقطار ، مشيرا لآثار الأمم وأحداثها مشيرا « 6 » إلى وقائع الأخبار وأنبائها . . . . .
وجعلت الإيجاز في هذا الكتاب قصدي وحرصت على الاختصار جهدي حتى جاء نسيج وحده مليحا في فنّه ، غريبا في معناه مبهجا للنفوس المتشوّقة ومذهبا للأفكار المحرقة « 7 » ، مؤنسا لمن استولى عليه الانفراد ورغب عن معاشرة الناس . ومع هذا فقد لمت نفسي على التّشاغل بهذا الوضع الصادّ « 8 » عن الاشتغال بما لا يغني عن أمر الآخرة والمهمّ عن العلم المزلف « 9 » عند اللّه تعالى . وقلت : هذا شأن البطّالين وشغل من لا يهمّه وقته . ثم رأيت ذلك من قبيل ما فيه ترويح لهذه النفوس ومن حسن تعليلها بالمباح لمن ينشط إلى ما هي به أعنى « 10 » . ثم هو مهيع « 11 » يسلكه الناس ، واعتنى به طائفة من العلماء وقيّده جماعة من أهل التحصيل ، فلا حرج « 12 » من الاقتداء بهم . . . . .
هامش
( 1 ) العناء التعب . تكلّف عناء : بذل جهدا ( بالضمّ ) .
( 2 ) تجشّم الأمر : تكلّفه ( حاول القيام به ) . تجشّم تعب : معاناة مشقّة وعسر .
( 3 ) مجتلب الشيء : الذي يأتي بالشيء من مصدره .
( 4 ) راض فلان الأمر : مارسه وذلّله .
( 5 ) القيّوم ( من أسماء اللّه الحسنى ) .
( 6 ) « مشيرا » وردت مرّتين . لعل الأولى « مشيرا » ( بالثاء : كاشفا ) . مشيرا ( الثانية ) : دالّا .
( 7 ) المحرقة ( ؟ ) ، لعلها : المحرّفة .
( 8 ) الصادّ : الرادّ ، الرادع ، المانع .
( 9 ) والمهمّ ( الضروري ؟ ) . المزلف : المقرّب .
( 10 ) أعنى : أكثر عناية ( اهتماما واشتغالا ) بالشيء .
( 11 ) المهيع : الطريق الواضح .
( 12 ) لا حرج : لا ضيق ، لا ضرر .