أمست شموس الأنس محجوبة عن عيني ، وقد ضرب البعد الحجاب بينها وبيني . وعلى كل حال - من إقامة وترحال - فما محلك في قلبي محلا فيها « 1 » ، وما كنت لأقنع من وجهك تخييلا وتشبيها . ومن أين انتظمت لك عقود التشبيه ، وأنت متجمّلة بثوبي زور ، وجيب الظلام على جسمك حتّى الصباح مزرور « 2 » . وراءك من الصّبح غريم مطالب تتقلّب في كفّيه المطالب .
ويا برق الغمام ، من أيّ حجاب تبتسم ! وبأيّ صبح ترتسم ! وأيّ وجه من السحاب تسم « 3 » ؟ أليست مباسم الثغور لا تنجد بأفقي ولا تغور « 4 » ؟ هذا ، وإن كانت مباسمك مفترّة ، فلطالما ضحكت فأبكت الغوادي وعطّلت الرائح والغادي « 5 » . . . . . .
- ومن مقطّعات ابن زمرك :
فؤادي قد تملّكه الغرام ، * ووجدي لا يطاق ولا يرام « 6 » .
ودمعي دونه صوب الغوادي ، * وشجوي فوق ما يشدو الحمام « 7 » .
إذا ما الوجد لم يبرح فؤادي ، * على الدنيا وساكنها السلام « 8 » .
هامش
( 1 ) محلّك ( مكانك ) . محلّا ( كذا بالأصل . اقرأ : محلّى : حلوا ، محبوبا ) .
( 2 ) ثوبا زور ( باطل ) : الأفق والشفق على الأفق ( ؟ ) - لون الأفق الغربي بعد غياب الشمس يرى أجمل من لونه قبل غياب الشمس ( ؟ ) . الجيب : مدخل العنق من الثوب . حتّى الصباح ( طول الليل ) . مزرور ( معقود بالأزرار ) : مغلق .
( 3 ) ما أجمل الحجاب ( الستار : صفحة الغيم ) الذي تبتسم ( تلمع ) من خلاله . وما أجمل النور الذي تتمثّل به ( عند البرق ) . وما أجمل صفحة الغيم التي تضيئها عند لمعانك ( يا برق ) .
( 4 ) مباسم الثغور ( جمع ثغر : فم المحبوب ) . لا تنجد : لا ترتفع ( لا تشرق : لا تظهر بعد أن تكون مختفية ) ولا تغور : تغيب ( كالشمس العاديّة ) . ضحك الغيم : أبرق . أبكى الغوادي ( جمع غادية : الغمام المقبل صباحا ) فأبكتها ( جعلتها تمطر ) .
( 5 ) الرائح : الراجع ( في المساء ) إلى مكانه الأصلي ( بيته ) . الغادي : المنطلق في الصباح إلى ما يقصد ( إلى عمله ) .
( 6 ) الوجد : ألم الحبّ . لا يطاق ( لا يطيقه أحد إذا فرض عليه ) ولا يرام ( لا يطلبه أحد باختياره ) .
( 7 ) دونه : أقل منه . صوب : هطول ، انسكاب ، انصباب . الغوادي : الغيوم الممطرة في الصباح . الشجو .
الحزن . - الحمام دائم التصويت .
( 8 ) الوجد : الحبّ . برح : ترك .