أجدّك ! قد جدّت بك الآن رحلة ؟ * رويدك ! أمسك للوداع قليلا « 1 » .
نزلت فأزمعت الرّحيل كأنّما * نويت رحيلا إذ نويت نزولا .
وما ذاك إلّا أن أهلك قد مضوا : * تفانوا فأبصرت الدّيار طلولا « 2 » .
- وقال في النسيب :
خذوا للهوى من قلبي اليوم ما أبقى ، * فما زال قلبي كلّه للهوى رقّا .
دعوا القلب يصلى في لظى الوجد ناره * فكلّ الذي يلقون بعض الذي ألقى « 3 » .
فإن كان عبد يسأل العتق سيّدا ، * فلا أبتغي من مالكي في الهوى عتقا .
بدعوى الهوى يدعو أناس ، وكلّهم * إذا سئلوا طرق الهوى جهلوا الطّرقا . « 4 »
فطرق الهوى شتّى ، ولكنّ أهله * يحوزون في يوم السباق به السّبقا « 5 » .
وكم جمعت طرق الهوى بين أهله ، * فحيث ترى سيما الهوى فاعرف الصّدقا « 6 » :
فمن زفرة تزجي سحائب عبرة ، * إذا زفرت ترقى فلا عبرة ترقا « 7 » .
إذا سكتوا عن وجدهم أعربت به * بواطن أحوال وما عرفت نطقا « 8 » .
هامش
( 1 ) أجدّك : أستحلفك بحقيقتك ! جدّت : حدثت بعد أن لم تكن ، و ( هنا ) : أسرعت ( لأنّ شهر رمضان أصبح في أواخره فبدا انقضاؤه أسرع ممّا كان يبدو في أوائله ) . رويدك : تمهّل !
( 2 ) أهلك قد مضوا : ( سكّان الأندلس الآن قلّوا ، وأصبحوا أقلّ قوّة وفخامة مظهر ممّا كانوا ) .
( 3 ) صلي : شعر بحرّ ( النار ) . لظى : جهنّم ( شدة حرّ النار ) . الوجد : الحبّ الشديد .
( 4 ) - صحّة الحبّ لا تكون بالدعوى ، بل بالسلوك ( بحال المرء تجاه محبوبة ) .
( 5 ) « عند السرى » ( راجع الكتيبة الكامنة 69 ، السطر الأوّل ) - وفي نفح الطيب ( 5 : 512 ، السطر السادس ) : « عند السوى » ( بضمّ السين أو كسرها ) : العدل ، الاعتدال ، الوسط ، الناس الآخرين ، المثل ، النظير ، الشبيه ) . السرى : السير في الليل ( وقت الجدّ في السير - لأنّ العرب القدماء كانوا يسافرون في الليل لقلّة الحرّ فيه ويستريحون في النهار عند اشتداد الحرّ ) .
( 6 ) السيماء : العلامة .
( 7 ) الزفرة : إخراج نفس حارّ ( لشدّة الحزن ) . أزجي : أرسل ، سبّب . العبرة : الدمعة . ترقى : تصعد ( من الصدر ) . ترقأ : تجفّ ، ( ينقطع صاحبها عن البكاء ) .
( 8 ) الوجد : الحبّ الشديد . - في هذا البيت ما يدلّ على شيء من الاتّجاه الصوفي .