- إنّ عمل أهل قرطبة ليس حجّة في القضاء والفتيا « 1 » :
جاء في نفح الطيب ( 1 : 556 - 557 ) : واعلم أنّه ، لعظم أمر قرطبة ، كان عملها حجّة بالمغرب ، حتّى إنّهم يقولون في الأحكام : « هذا ممّا جرى به عمل قرطبة » .
وكان المقّريّ الجدّ لا يرى صحّة ذلك ، فقال في كتابه « القواعد » :
وعلى هذا الشرط ترتّب إيجاب عمل القضاة بالأندلس ، ثمّ انتقل إلى المغرب . فبينا نحن ننازع الناس في عمل أهل المدينة ونصيح بأهل الكوفة « 2 » ، مع كثرة ما نزل بها من علماء الأمّة كعليّ وابن مسعود « 3 » ومن كان معهما : « ليس التكحّل في العينين كالكحل « 4 » » ، سنح لنا ( بغض المجهود ومودّة التقليد ) :
اللّه أخّر مدّتي فتأخّرت * حتّى رأيت من الزمان عجائبا !
يا للّه وللمسلمين . ذهبت قرطبة وأهلها ، ولم يبرح من الناس جهلها . ما ذاك إلّا لأنّ الشيطان يسعى في محو الحقّ فينسيه ، والباطل لا زال يلقّنه ويلقيه « 5 » . ألا نرى
هامش
- مفتوحة ) أنّني أحبّه ، وسلّمت أمري إليه ( يفعل بي ما يشاء ) حتّى أسلم أنا : حتّى أنجو ( فربّما ادّعيت حبّه فلم أستطع الوصول فأندم أنا أو أكون عنده عاجزا أو ملوما ) .
( 1 ) كان الفقهاء يعدّون أعمال أهل المدينة قواعد فقهيّة ، لأنّ الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عاش في المدينة ، ولأنّ كبار الصحابة كانوا من أهل المدينة ، ولأنّ المدينة كانت عاصمة الخلافة الإسلامية . وبما أن قرطبة كانت عظيمة الشأن في السياسة والحضارة ، فقد كان جماعة من فقهاء المغرب يعدّون ما جرت العادة به في قرطبة قاعدة صحيحة في فقه ( المعاملات : البيع والشراء إلخ ) . وكان المقّريّ الجدّ لا يرى هذا الرأي .
( 2 ) على هذا الشرط : صحّة اتخاذ عمل أهل قرطبة حجّة في الفقه ( في المعاملات ) .
( 3 ) نحن ننازع أهل المدينة في ذلك ( المقرّي الجدّ لا يريد أن يقبل عمل أهل المدينة مصدرا من مصادر التشريع ) . نصيح بأهل الكوفة ( نعنّف أهل الكوفة لأنّهم أرادوا أن يكون عمل أهل بلدهم مصدرا للتشريع ) مع كثرة الفقهاء والعلماء فيها ، من أمثال علي بن أبي طالب ثم عبد اللّه بن مسعود ( ت 32 ه ) : من السابقين إلى الإسلام ، ومن أكابر صحابة رسول اللّه ، كان خادما للرسول ورفيقا له في الحضر والسفر .
( 4 ) الشطر من بيت للمتنبّي من القصيدة التي مطلعها : أجاب دمعي ، وما الداعي سوى طلل . التكحّل :
وضع الكحل في جفون العينين . الكحل : الجمال الطبيعي في العينين .
( 5 ) يلقّن : يعلّم . يلقي : يملي ، يحمل الناس على قبول الآراء .