وأتى المشيب يزورني متفقّدا ؛ * والشيب أبغض زائر يتفقّد « 1 » .
ولّى الشباب وشرخه : لم يبق لي * بعد الشباب وشرخه ما أفقد « 2 » !
- وقال في النسيب والشكوى والفخر بنفسه وبشعره :
عجبا لها ! أيذوق طعم وصالها * من ليس يأمل أن يمرّ ببالها ؟
وأنا الفقير إلى تعلّة ساعة * منها ؛ وتمنعني زكاة جمالها « 3 » .
يعتادني في اللّيل طيف خيالها * فتصيبني ألحاظها بنبالها « 4 » .
ومن العجائب أن أقيم ببلدة * يوما ، وأسلم من أذى جهّالها .
شغلوا بدنياهم ! أما شغلتهم * عنّي ؟ فكم ضيّعت من أشغالها « 5 » !
حجبوا بجهلهم ، فإن لاحت لهم * شمس الهدى عبثوا بضوء ذبالها « 6 » .
وإن انتسبت فإنّني من دوحة * تتقيّل الأنساب برد ظلالها « 7 » :
من حمير من ذي رعين من ذرا * حجر من العظماء من أقيالها « 8 » .
خذها ، أبا الفضل بن يحيى ، تحفة * جاءتك لم ينسج على منوالها :
ما جال في مضمارها شعر ، ولا * سمحت قريحة شاعر بمثالها !
هامش
( 1 ) تفقّد الرجل الأمر : بحث عنه أو عن حاله .
( 2 ) الشرخ - شرخ الصبا : عنفوانه ، ذروته .
( 3 ) تعلّة : ما يتعلّل ( يلهو ) به الإنسان . زكاة جمالها : ما تتصدّق به المرأة من المتعة بجمالها .
( 4 ) اعتاد المكان : جاء إليه مرّة بعد مرّة - حتّى في المنام تفتك بي لحظاتها .
( 5 ) شغلوا بدنياهم ( دعوة عليهم بأن تشغلهم الدنيا عن مصالح أنفسهم ) . - فكم ضيّعت ( مصالح كثيرة لي ) من أشغالها ( بسبب الأمور التي شغلتني بها ) .
( 6 ) حجبوا بجهلهم : حجبهم جهلهم عن معرفة حقائق الأمور . فإن لاحت لهم شمس الهدى ( الحقّ ، المعرفة الربّانية ) عبثوا ( لعبوا ، التهوا ) بضوء ذبالها ( الذبال جمع ذبالة : الفتيلة التي تضيء في السراج ) - هم يلتهون بمظاهر الأشياء وبصغار الأشياء عن حقائقها ( المعنى صوفيّ ) .
( 7 ) انتسبت : ذكرت نسبي . من دوحة ( شجرة كبيرة ) : من أسرة عظيمة . تتقيّل : تنام بعد الظهر ( تتنعّم ) .
برد ظلالها : في ظلالها ( في ظلّها العليل البارد ) - تتمنّى الأنساب أن تكون مثل نسبي .
( 8 ) حمير ( ابن سبأ بن يشجب - بضمّ الجيم ) : أبو قبيلة من عرب الجنوب . رعين : حصن في اليمن . ذو حجر رعين : أبو قبيلة في اليمن . - يقصد الشاعر أنّه من نسل ملوك اليمن .