كان كتاب اللّه هو الكفيل بجميع علوم الشّرع الذي استقلّ بالسّنّة والفرض ، ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض « 1 » ، رأيت أن اشتغل به مدى عمري وأستفرغ به منّتي « 2 » بأن أكتب فيه تعليقا وجيزا يتضمّن نكتا « 3 » من التفسير واللّغات والإعراب والقراءات و ( من ) الرّدّ على أهل الزّيغ والضّلالات « 4 » و ( من ) أحاديث كثيرة شاهدة لما نذكره من الأحكام ونزول الآيات « 5 » جامعا بين معانيها ومبيّنا ما أشكل « 6 » منها ( وذلك ) بأقاويل السّلف ومن تبعهم من الخلف .
وعملته تذكرة لنفسي وذخيرة ليوم رمسي وعملا صالحا بعد موتي . قال اللّه تعالى :
يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ
؛ وقال تعالى :
عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ
؛ وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إذا مات الإنسان انقطع عمله إلّا من ثلاث :
صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له » .
وشرطي في هذا الكتاب إضافة الأقوال إلى قائليها والأحاديث إلى مصنّفيها « 7 » ، فإنّه يقال : من بركة العلم أن يضاف القول إلى قائله .
وكثيرا ما يجيء الحديث في كتب الفقه مبهما لا يعرف من أخرجه « 8 » إلّا من اطّلع على كتب الحديث فيبقى من لا خبرة له حائرا لا يعرف الصحيح من السقيم « 9 » - ومعرفة ذلك علم جسيم « 10 » - فلا يقبل منه الاحتجاج به ولا الاستدلال حتى
هامش
( 1 ) أمين السماء : جبريل . أمين الأرض : محمّد رسول اللّه .
( 2 ) المنّة ( بالضمّ ) : القوّة .
( 3 ) النكتة : النقطة البارزة ، المسألة الدقيقة أو النادرة .
( 4 ) الزيغ : الحيد أو الميل عن الطريق الصحيح . الضلالة : الباطل ، مخالفة الطريق المستقيم .
( 5 ) نزول الآيات ( أسباب نزولها ، تاريخها ) .
( 6 ) أشكل الأمر : اشتبه ، التبس ( لم يمكن الجزم فيه برأي واضح ) .
( 7 ) مصنّف الأحاديث : مرتّب أحاديث رسول اللّه في أبوابها بحسب معانيها .
( 8 ) أخرج الحديث ( بيّن طريق روايته ) .
( 9 ) الحديث الصحيح : الثابت في روايته عن رسول اللّه . السقيم من الحديث : ما كان في روايته عن رسول اللّه شك أو جرح في أمانة رجاله ( فهو ضعيف ) أو ما لم يكن من أحاديث رسول اللّه ( فهو موضوع ، مكذوب ) .
( 10 ) جسيم : عظيم ، ( صعب ) .