ويندب عهدا بالمشقّر فاللّوى . * واين اللوى منه وأين المشقّر « 1 » !
تغيّر ذاك العهد بعدي وأهله . * ومن ذا على الأيام لا يتغيّر ؟
وأقفر رسم الدار إلّا بقيّة * لسائلها عن مثل حالي تخبّر .
فلم تبق إلّا زفرة إثر زفرة ؛ * ضلوعي لها تنقّد أو تنفطّر « 2 » ؛
وإلّا اشتياق لا يزال يهزّني ، * فلا غاية تدنو ولا هو يفتر .
أقول لساري البرق في جنح ليلة * كلانا بها قد بات يبكي ويسهر « 3 » ،
تعرّض مجتازا فكان مذكّرا * بعهد اللّوى ؛ والشيء بالشيء يذكر .
ألا ليت شعري ، والأمانيّ ضلّة ؛ * وقولي : « ألا يا ليت شعري » تحيّر .
هل النهر عقد للجزيرة مثلما * عهدنا ؟ وهل حصباؤه ( بعد ) جوهر « 4 » ؟
وهل للصّبا ذيل عليه تجرّه * فيزور عنه موجه المتكسر « 5 » .
وتلك المغاني ، هل عليها طلاوة * بما راق منها أو بما رقّ تسحر ؟
ملاعب أفراس الصّبابة والصّبا * تروح إليها تارة وتبكّر « 6 » .
وقبليّ ذاك النهر كانت معاهد * بها العيش مطلول الخميلة أخضر « 7 » ،
بحيث بياض الصّبح أزرار جيبه * تطيب وأردان النسيم تعطّر « 8 » .
هامش
( 1 ) اللوى : ما استدار من الرمل : المشقّر : حصن في شرقيّ بلاد العرب ( والشاعر يكني بهما عن وطنه جزيرة شقر ) .
( 2 ) تنقّد : تنقطع . تنفطّر : تتشقّق .
( 3 ) الساري : السائر في الليل . الجنح : الجزء من الليل . ساري البرق ( البرق الذي يلمع ليلا ) . كلانا بها ( في تلك الليلة ) يبكي ( أنا أبكي بدموعي ، والبرق يسقط في أثره المطر ) .
( 4 ) الجزيرة : جزيرة شقر . هل النهر عقد للجزيرة ( يحيط بها ) . الحصباء : الحصى .
( 5 ) الصبا : ريح لطيفة تهبّ على شبه جزيرة العرب من جبال فارس مارّة فوق مياه خليج البصرة ( والعرب يحبّونها ) . والشعراء يذكرون الصبا ويعنون بها كلّ ريح محبوبة . ازورّ : مال .
( 6 ) الصبابة : الحبّ . الصبا : الشباب . تروح ( في المساء ) وتبكّر ( في الصباح ) : دائما تهبّ عليها هذه الريح .
( 7 ) القبلة : الجهة . وتستعمل عادة للجهة الجنوبية لأنّ اتّجاه المسلمين في صلاتهم انتقل في عهد الرسول من القدس ( شمال المدينة ) إلى الكعبة في مكّة ( جنوب المدينة ) .
( 8 ) الجيب : مدخل القميص في العنق ( أعلى الثوب ) ، والأردان أطراف الثوب ( أدنى الثوب ) . الريح الطيّبة تعطّر أجواء جزيرة شقر .