- من وصيّة كتبها ابن الجنّان الأنصاريّ على لسان ابن هود « 1 » إلى أولاده وعمّاله الموظّفين في دولته ) .
. . . . إنّا - واللّه المرشد - لنعلم أنّ الأمر الذي قلّدنا اللّه تعالى منه ما قلّده ، وأسنده إلينا من أمور خلقه ما أسنده ، قد ألزمنا من حقوقه الواجبة وفروضه الراتبة ما لا يستطاع إلّا بمعونته أداؤه « 2 » ، ولا يستتبّ إلّا بتوفيق اللّه تعالى انتهاؤه وابتداؤه . فهو المشكور عزّ وجلّ على نعمته والمستعان على ما يدني من رضاه ويقرّب من رحمته . وإنّ كلّ امرئ بشأنه مشغول ، وعن خويصيّة « 3 » نفسه مسؤول . ونحن بما استرعانا اللّه تعالى مشغولون ، وعن الكبير والصغير مسؤولون . وعلينا النصيحة للّه في عباده وبلاده ، والنظر لهم بمنتهى جدّ المجتهد واجتهاده . ولا قوّة إلّا باللّه عليه توكّلنا ، وبه إليه توسّلنا « 4 » . فعيننا تسهر لتنام للرعيّة عيونهم ، وتحرّكنا يتّصل ليحصل لهم سكونهم . وأملنا ألّا نقرّ فيهم بحول اللّه تعالى ظلما ولا هضما « 5 » ، ولا نخرم لهم في إقامة حقوق اللّه ما استطعنا نظما . وأنّى « 6 » ينصرف ، عن هذا القصد بعمله ونيّته ، من يعرف أنّ اللّه جلّ جلاله لا يجوّز ظلم ظالم في بريّته « 7 » . ولعلّ اللّه الذي حمّلنا ما حمّلنا ، واستعملنا بمشيئته فيما استعملنا ، أن يهب لنا توفيقه ويسلك بنا إلى هداه طريقه .
- ذمّ الدنيا ( من خطبة لابن الجنّان الأنصاريّ ) :
. . . . فبئست الدار دارا لا تداري ، ولا تقيل لعاثرها عثارا « 8 » ، ولا تقبل
هامش
( 1 ) المتوكّل بن هود صاحب مرسية ( 621 - 635 ه ) .
( 2 ) الراتب : المتكرّر على نسق واحد . أداؤه : القيام به .
( 3 ) الخويصيّة تصغير الخاصّية التي هي نسبة إلى الخاصّة ( ما يخصّ نفسك دون غيرك ) .
( 4 ) نستعين باللّه في طلبنا شيئا من اللّه .
( 5 ) الهضم : أن يكون لأحد عندك حقّ فتعطيه جزءا منه فقط ( والظلم أن تسلبه كلّ حقّه ) .
( 6 ) أنّى : كيف ؟
( 7 ) البريّة : الخلق ( بالفتح ) جميع الناس .
( 8 ) الدار : هذه الدنيا . لا تقيل لعاثر عثارا ( لا ترفع ساقطا من سقطته ) : لا تغفر ذنبا ( جاء به أحد خطأ ) .