وليس في غيرها بالعيش منتفع ، * ولا تقوم بحقّ الأنس صهباء « 1 » .
وأين يعدل عن أرض تحضّ بها * على المدامة أمواه وأفياء « 2 » ؟
وكيف لا يبهج الأبصار رؤيتها * وكلّ روض بها في الوشي صنعاء « 3 » !
أنهارها فضّة ، والمسك تربتها ، * والخزّ روضتها ، والدرّ حصباء « 4 »
وللهواء بها لطف يرقّ به * من لا يرقّ ، وتبدو منه أهواء « 5 » ،
ليس النسيم الذي يهفو بها سحرا ، * ولا انتثار لآلي الطلّ أنداء « 6 » ؛
وإنّما أرج الندّ استثار بها * في ماء ورد فطابت منه أرجاء « 7 » .
وأين يبلغ منها ما أصنّفه ، * وكيف يحوي الذي حازته إحصاء ؟
قد ميّزت من جهات الأرض حين بدت * فريدة ، وتولّى ميزها الماء :
دارت عليها نطاقا أبحر خفقت * وجدا بها إذ تبدّت وهي حسناء « 8 » .
لذاك يبسم فيها الزّهر من طرب ؛ * والطير يشدو ، وللأغصان إصغاء .
فيها خلعت عذاري ما به عوض ؛ * فهي الرّياض وكلّ الأرض صحراء « 9 » !
هامش
( 1 ) الصهباء : الخمر . - حتّى الخمر ( إذا شربت في غير الأندلس ) لا تحدث للإنسان أنسا ( انشراحا ) .
والأنس في الأصل : حديث النساء .
( 2 ) وأين يعدل عنها : إلى أين ينتقل الإنسان .
( 3 ) الوشي : التزيين . صنعاء : عاصمة اليمن ( مشهورة بالنسيج الجيّد الجميل ) .
( 4 ) الخزّ : الحرير . الدرّ : اللؤلؤ . الحصباء : الحصا ، صغار الحجارة .
( 5 ) يرقّ به من لا يرقّ : إنّ الجافي الطبع يصبح ( بعد تنشقّ هوائها ) رقيقا لطيفا . الأهواء جمع هوى : ميل النفس إلى العشق وما يتبعه .
( 6 و 7 ) هفت الريح : هبّت وحرّكت الأغصان . السحر : آخر الليل قبيل الفجر . في نفح الطيب ( 1 : 210 ) « النسيم » ( بالرفع : بضمّة على آخره ) وهذا لا يستقيم في الإعراب ( « فالذي » لا تعرب في المشهور خبرا ) مع الاسم الظاهر في النواسخ . وكذلك المعنى بذلك لا يستقيم . المقصود : ليس الذي يهبّ في الأندلس ( في آخر الليل ) نسيما ( من الهواء ) ، ولا قطرات الماء المنتثرة ( المتفرّقة ) في الغصون من الطلّ ( الندى ) ماء متجمّعا ، ولكنّ ذلك كلّه مزيج من الأرج ( الرائحة الطيّبة ) ومن ماء الورد .
( 8 ) يحيط بالأندلس ( كالنطاق : الزّنّار ، من كلّ جانب ) أبحر ( بحار وأنهار ) . وجدا بها : عشقا لها . تبذّت وهي ( أي الأندلس ) .
( 9 ) خلعت عذاري : انغمست في اللهو . والأصح : قضيت كلّ شبابي ( في التمتّع باللهو أيضا ) . ولا أجد عوضا ( بدلا ) من شبابي .