قد أخلفتني صروف أنت تعلمها ، * وغال مورد آمالي بها كدر « 1 » .
فالنفس جازعة ، والعين دامعة ، * والصوت منخفض والطرف منكسر « 2 » .
لم يأت عبدك ذنبا يستحقّ به * عتبا ، وها هو قد ناداك يعتذر .
ما الذنب إلّا على قوم ذوي دغل * وفى لهم عدلك المألوف إذ غدروا « 3 » :
قوم نصيحتهم غشّ ، وحبّهم * بغض ، ونفعهم - إن صرّفوا - ضرر « 4 » .
يميّز البغض في الألفاظ إن نطقوا ، * ويعرف الحقد في الألحاظ إن نظروا .
أجب نداء أخي قلب تملّكه * أسى ، وذي مقلة أودى بها سهر « 5 » .
لم أوت من زمني شيئا ألذّ به : * فلست أعرف ما كأس ولا وتر « 6 » ،
ولا تملّكني دلّ ولا خفر ، * ولا سبى خلدي غنج ولا حور « 7 » .
رضاك راحة نفسي - لا فجعت به - * فهو العتاد الذي للدهر أدّخر « 8 » .
كم وقعة لك في الأعداء واضحة * تفنى الليالي ولا يفنى بها الخبر
ما تركي الخمر عن زهد وعن ورع * فلم يفارق ، لعمري ، سنّي الصغر « 9 » .
وإنّما أنا ساع في رضاك ، فإن * أخفقت فيه فلا يفسح لي العمر « 10 » !
هامش
( 1 ) إنّ أحوالا لا أملكها قد كدّرت حياتي . الصرف ( الحادث المؤلم ) غال : قتل . المورد : مكان شرب الماء .
( 2 ) الطرف : العين .
( 3 ) الدغل : العيب والفساد ( شرّ ) . عاملتهم بالعدل والإحسان فازدادوا شرّا .
( 4 ) صرّف الرجل الأمر : دبّره . حتّى لو أرادوا أن ينفعوا لجاء من محاولتهم النفع ضرر ( لأنّهم جهّال لا يفرّقون بين الخير والشر ولا بين النفع والضرر ) .
( 5 ) الأسى : الحزن . أودى : أهلك .
( 6 ) أوت - أؤتى ( مبني للمجهول ) : أعطى . . ما كنت أعرف سيئات الكأس ( الخمر ) والوتر ( الغناء - اللهو ) .
( 7 ) الدلّ : حالة من الوقار مع الاطمئنان ( يوحى بها إلى الإنسان بثقته باعجاب الناس به أو بتأثيره فيهم ) . الخفر : اشتداد الحياء ( وهو من صفات الجمال في النساء ) . سبى : أسر ، ملك . الخلد : البال ، النفس . الحور : اشتداد بياض العين واشتداد سوادها . الغنج : إتيان المرأة بأقوال وأفعال من الدلال تتحبّب بها إلى زوجها .
( 8 ) العتاد : العدّة ، ما يهيّئه الإنسان ويستعدّ به للقاء المستقبل والعدوّ الخ . ادّخر : خبّأ ( للمستقبل ) ، كنز .
( 9 ) كنت أشرب الخمر ، وقد تركتها الآن . لم أتركها زهدا فيها ( ميلا عنها وكرها بها ) ولا ورعا ( للتقوى ) لأنّني لا أزال صغير السنّ ، والزهد والورع يكونان عادة في أواخر العمر .
( 10 ) تركتها إرضاء لك . إن أخفقت : خبت ( لم ترض أنت عنّي ) . فلا يفسح لي العمر : لا طال عمري !