شفى اللّه داء القيروانين بعدنا ؛ * فقد مرضت للقيروانين أبصار « 1 » .
وكيف غناء الطير في غير وكرها ، * وقد بعدت عنها فراخ وأوكار .
ألا يا بروقا لحن من نحو صبرة ، * وليس لها إلّا دموعي أمطار « 2 » ،
عسى فيك من ماء الحبيبات شربة * ولو مثل ما يوعي من الماء منقار « 3 » !
- الوصف :
والوصف في المشرق كان ميّزة العصر العباسيّ ، وهو في الأندلس ميّزة الأدب الكبرى ، في الشعر والنثر : وصف الطبيعة بما فيها من آثار علوية ( بضم العين وسكون اللام : غمام ورياح وأمطار ) وبما فيها من جنائن وأنهار ومن أشجار وأزهار وأثمار ، ومن حيوان ، وبما ينشأ فيها من مدن وقصور ومن أساطيل وسلاح وسوى ذلك . ولا حاجة إلى الاستشهاد على ذلك لأننا نراه عند كلّ خطوة في تاريخ الأدب الأندلسي .
وإذا نحن أردنا حلاوة اللفظ وأناقة المعنى وحدهما في وصف الخمر استطعنا أن نورد نماذج كثيرة من ذلك ، كقول ابن عمار ( ت 477 ) : « أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى » أو كقول ابن حمديس ( ت 529 ) : « قم هاتها من كفّ ذات الوشاح » ( والقطعتان كلتاهما من صلب عصر الطوائف - وهما مذكورتان في ترجمتي شاعريهما ) .
والغزل والنسيب من الوصف - والشعر إلّا أقلّه وصف ، كما يقول ابن رشيق - .
وقد عرف هذا العصر الأندلسيّ الغزل الصريح مؤنّثا ومذكّرا ، كما عرف الغزل العفيف صحيحا ومكذوبا . ولكنّ الغزل الأندلسيّ لم يعرف شاعرا قصر شعره على الغزل كعمر بن أبي ربيعة ومجنون ليلى ، أو شاعرا شهر بالغزل وحده كجميل بن معمر والعبّاس بن الأحنف . ولا نستطيع أن نتبيّن في الغزل الأندلسيّ جانبا لم
هامش
( 1 ) القيروانان : مدينة القيروان ومدينة صبرة التي تسمى المنصورية ، وقد كان العمران بين القيروان وصبرة متّصلا .
( 2 ) لاح : ظهر .
( 3 ) أوعى : جمع وحفظ ( بمقدار ما يحمل منقار الطائر من الماء : قليلا جدا ) .