ونحن نعرف مثل ذلك في الشعر المشرقي : رثاء البصرة بعد فتنة الزنج لابن الرومي ثمّ إيوان كسرى للبحتري وسوى ذينك .
وعرف هذا العصر الأندلسيّ هجاء قاله رجال ونساء منهم أبو إسحاق الإلبيريّ وابن الحدّاد الواديآشي والسميسر وولّادة ومهجة القرطبية . وقد كان بعض هذا الهجاء مقذعا فاحشا . غير أنّ الأدب الأندلسيّ لم يعرف شعراء هجاء من نجر الحطيئة وجرير وبشار وأبي نواس وابن الروميّ من الذين برعوا في ابتكار المعاني وفي تصوير المعائب وفي تحليل الطباع . وتحسن الإشارة إلى الإلبيريّ ( ت 460 ه ) في هجاء اليهود ( كما نرى في ترجمته ) .
والشكوى من الدهر والإخوان ثمّ عتاب الأقارب والأباعد معروفان في كل زمان ومكان . والحنين إلى الوطن ضرب من الشكوى كانت دواعيه في المغرب - وفي الأندلس خاصّة - أكثر منها في المشرق ، ذلك لأنّ الحروب الإسبانية كانت تزعج الناس عن أوطانهم طوعا وكرها . وأشهر من يشار إليه في هذا الموضوع ابن حمديس الصقليّ المتوفّى سنة 529 . كان ابن حمديس قد انتقل من صقلّية - لمّا استولى عليها النورمان ، سنة 470 ( 1078 م ) فقال أبياته المشهورة :
ذكرت صقلّية والأسى * يهيّج للنفس تذكارها .
والإنسان يحبّ وطنه على كل حال ، فكيف به إذا كان ذلك الوطن جميلا عظيما .
فقد اتفق لمحمد بن شرف القيروانيّ ( ت 460 ) ولأبي الحسن الحصري ( ت 488 ) أن يفارقا بلدهما إلى الأندلس ، فشكوا كلاهما البعاد ، وأبيات الحصريّ :
على العدوة القصوى ، وإن عفت الدار ، * سلام غريب لا يئوب فيزدار « 1 » .
وحقّ بكاء العين ، والقلب مسعر ، * لمن بات مثلي لا حبيب ولا جار « 2 » .
هامش
( 1 ) العدوة ( الجانب ) القصوى ( الأكثر بعدا ) : الجانب الإفريقي ( في مقابل الجانب الأوروبيّ : الأندلس ) .
آب : رجع . ازدار ( افتعل : ازدور : ازدار ) : زار .
( 2 ) مسعر : مشعل ، حارّ ( حزين ) .