وخرجنا كما دخلنا بلا فل * س ، ولكن ربحت صفع قفاء
وتحدّث مرة عن المطاعم فقال « 1 » :
وإذا قيل لي : بمن أنت صبّ ؟ * وعلام انسكاب دمع المآقي ؟
قلت : همّي السكباج والجمّليّا * ت ورخص الشوا معا بالرقاق « 2 » .
وجشيش السميذ أعذب عندي * من رضاب الحبيب عند العناق « 3 » .
أدخل نفر من الشعراء الأندلسيين عددا من المعاني الفلسفية في أشعارهم . ولكنّنا لا نعدّ ذلك في شعر الحكمة ( والنقّاد العرب يسمّونها : الأدب ) ، بل في باب « النظم التعليمي » كأراجيز النحو . فمن ذلك مثلا قول ابن وهبون المرسي ( ت 483 ) :
نفسي وجسمي إن وصفتهما معا * آل يذوب وصخرة خلقاء « 4 »
تتعاقب الأضداد ممّا قد ترى * جلبت عليك الحكمة الشنعاء « 5 » .
أمّا الحكمة المألوفة في الشعر فهي اللمحة البارعة من الرأي الصائب الذي يصدق في الواقع أو يوافق المنطق أو يوجز الاختبار الإنساني الطويل . وقيمة الحكمة في الشعر أن يرد المعنى الحكيم الجديد في التعبير الوجيز الواضح . من ذلك قول عبد
هامش
( 1 ) تاريخ الأدب الأندلسي : الطوائف والمرابطون 152 .
( 2 ) في الأصل : قلت بالسكباج ( ولا يستقيم بهما الوزن ) فأجزت لنفسي أن أثبت ما في المتن . السكباج : لحم يتبّل بأفاويه وبزورات مختلفة . الجمليات ( ؟ ) . الرخص : الطريّ . الشواء : اللحم المشوي . الرقاق :
خبز يصنع رقيقا ( وربّما قيل له : خبز مرقوق ، خبز تنّور ، خبز صاج : قطعة من حديد مستديرة ومحدّبة كأنّها قطع من كرة ) تخبز الرقاق على ظاهرها وتكون النار تحتها ) .
( 3 ) الجشيش : حبّ ( حنطة ، قمح ) يجرش خشنا ثمّ يلقى عليه لحم أو تمر فيطبخ بأحدهما . السميذ : السميد لباب البر ( بالضم ) « القمح » .
( 4 ) تاريخ الأدب الأندلسي : عصر الطوائف والمرابطين 127 - 128 ( عن الذخيرة ) آل : سراب . خلق ( بفتح فكسر ) الثوب والجلد وغيرهما : بلي ( تهرّأ ) ولان واملاسّ ( بتشديد السين ) . الملموح ( من الفلسفة لا من البيت ) : أنّ النفس مفارقة ( لا يتفق لها ما يتّفق للبدن : لا تهلك بهلاكه ) ، أما الجسم ( وهو مادة ) فإنه يتبدل ويهلك ( تتغيّر صورته ) .
( 5 ) إن تبدّل الصورة على المادّة : ماء - بخار - غمام - ماء - ثلج الخ هو أصل العذاب في الدنيا - « جلبت » ( في الأصل ) مبنية للمجهول . فلعلّ بناءها للمعلوم أصحّ . - أن مثل هذا العسف في المعاني والتراكيب لا يجعل من الكلمات المنظومة « فنا فلسفيا » ؟ .