تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب العربي — صفحة 598

مساهمون:

ص٥٩٨
براكبه ، استخرت اللّه في القفول ، وقعدت من الفلك بمثابة الهلك . ولمّا ملكنا البحر وجنّ علينا الليل غشيتنا سحابة تمدّ من الأمطار حبالا وتحوذ « 1 » من الغيم جبالا ، بريح ترسل الأمواج أزواجا والأمطار أفواجا . وبقينا في يد الحين ، بين البحرين لا نملك عدّة غير الدعاء ، ولا حيلة إلّا البكاء ، ولا عصمة إلا الرجاء « 2 » . وطويناها ليلة نابغية « 3 » . وأصبحنا نتباكى ونتشاكى . وفينا رجل لا يخضلّ جفنه ولا تبتلّ عينه ، رخيّ « 4 » الصدر منشرحة ، نشيط القلب فرحه . فعجبنا ، واللّه ، كل العجب ؛ وقلنا له : ما الذي أمّنك من العطب ؟ فقال : حرز لا يغرق صاحبه ؛ ولو شئت أن أمنح كلّ واحد منكم حرزا لفعلت . فكل رغب إليه ، وألحّ في المسألة عليه . فقال : لن أفعل ذلك حتى يعطيني كل واحد منكم دينارا الآن ، ويعدني دينارا إذا سلم . قال عيسى بن هشام : فنقدناه ما طلب ووعدناه ما خطب « 5 » . وآبت يده إلى جيبه فأخرج منها قطعة ديباج فيها حقّة عاج ، قد ضمّن صدرها رقاعا وحذف كلّ واحد منها بواحدة منها . فلما سلمت السفينة وأحلّتنا « 6 » المدينة اقتضى الناس ما وعدوه فنقدوه « 7 » . وانتهى الأمر إليّ ، فقال : دعوه ! فقلت : لك ذلك على أن تعلمني سرّ
هامش
( 1 ) دونه : دون باب الأبواب ، بين باب الأبواب والعراق . وثاب بغاربه : بحر ثائر بأمواجه يثب إلى ظهور المراكب . عساف براكبه : يدفع راكبه يمينا وشمالا على غير هدى وبشدة . ( 2 ) استخار اللّه : اتجه بقلبه إلى اللّه ليلهمه ما يعمل ، أو رجع معتمدا على اللّه في توفيقه في عودته . القفول : الرجوع . الفلك : السفينة . بمثابة الهلك : كأني هالك ، لا أرجو النجاة . ملكنا البحر : صرنا على ظهره لا نستطيع الرجوع إلى البر لو أردنا . تحوذ : تدفع ، تسوق . ( 3 ) الحين : الموت . البحران : بحر من فوقنا هو المطر ، وبحر من تحتنا هو البحر . العدة : السلاح . العصمة : الملجأ . ليلة نابغية : ليلة طويلة سوداء شاقة ، نسبة إلى قول النابغة :كليني لهمّ يا أميمة ناصب * وليل أقاسيه بطيء الكواكب( 4 ) يخضل : يبتل . رخي الصدر : واسع الصدر ، مطمئن . ( 5 ) خطب : طلب . آب : رجع . الجيب : شق القميص عند العنق . ديباج : حرير فاخر . حقة : وعاء . عاج : سن الفيل . حذف : رمى . ( 6 ) أحلتنا المدينة : أنزلتنا ( سالمين ) إلى المدينة . اقتضى الناس : طلب منهم تأدية الدين . ( 7 ) نقدوه : دفعوه له عينا ( ذهبا ) .
تاريخ الأدب العربي — صفحة 598 | عمر فروخ