وهذا هو عمله في دمشق : ينزل من قبل أذان الفجر إلى جامع بني أمية ، فيصلي ويقرأ أجزاء من القرآن ، ثم يبقى في الجامع ، يمرّ على الحلقات ، فإن وجد ما يعجبه شجع المدرّس بكلمة ، وإن أنكر شيئا رد عليه ، وإن أحس غموضا وضّح ، أو إيجازا شرح ، أو مللا من السامعين نفّس عنهم بنكتة ، ويعرف له المدرسون ذلك ، فلا يأبونه منه ، وإن أبى بعضهم سلقه بلسان حديد ؛ فحطّ من كبريائه وألان من إبائه ، حتى كان شيخنا الشيخ صالح التونسي ( مدرّس الحرم النبوي الآن سنة 1372 ) « 1 » يسمّيه ( مفتش الجامع ) .
ويحضر المحاضرات العامة فيسلك في الجامعة والمجمع مسلكه في الجامع .
حضرته مرة في المجمع العلمي العربي من نحو ثلاثين سنة وقد جاء محاضر لبناني تتكلم في الحضارة الجديدة وأنه ينبغي في رأيه أن نأخذ كل ما فيها ، وذمّ لباسنا ومدح لباس القوم ، ولما انتهى وأقبل الناس ( أعني المتزلفين المنافقين ) يهنئونه ، صاح الشيخ في آخر القاعة بصوته الذي كان يغلب عشرة مكبرات للصوت ولهجته المعرقة في العامية : ( ولك : الحمار حمار ولو لبس بدلة وبنطرون ، والإنسان إنسان ولو حطّ جلال . . . ) « 2 » .
فانصرف الناس بكلمة الشيخ وتركوا المحاضرة في مكانها .
ويدور في الأسواق ، يراقب الناس ويدرس أحوالهم ، وهو يعرف أكثر أهل دمشق وآباءهم وأجدادهم ، وتمرّ به المرأة المحجبة فيعرفها من أي أسرة هي ، أمضى سبعين سنة وهو في هذه المراقبة . فإن رأى حقيرا رفعته الأيام بلا سبب فتكبر ، رماه بكلمة كالقنبلة فعرّفه قدره وجرّأ الناس عليه ، وإن رأى دجّالا انخدع به الناس فحسبوه عالما حطّ منه فصرفهم عنه . وإن أبصر جاسوسا أو ممالئا للفرنسيين صرخ اللّه يلعن الجواسيس والمنافقين ) ، وإن نظر إلى أمّ ولدها وسخ قال لها : ( ولك ، هاي الماء روحي غسلي وجهه ، النظافة من الإيمان ) وإن رأى بائعا يغش مشتريا ، أو
هامش
( 1 ) سنة كتبت هذه المقالة ونشرت في الرسالة .
( 2 ) الجلال البرذعة في لغة عامة أهل الشام .