تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غرر الشام في تراجم آل الخطيب الحسنية ومعاصريهم — صفحة 549

مساهمون:

ص٥٤٩
وشيء يملأ جوفه ، سواء عنده أكان هذا الشيء خبزا يابسا أم كان أرزّا ولحما ، ومكان يضع عليه جنبه سريرا أو فراشا أو قطعة ممهدة من الأرض الفضاء ، فإن وجد ذلك لم يطلب شيئا بعده ، لا يرجو جاها ولا مالا ، ولا يخاف سجنا ولا رهقا . أخوه الأصغر ( زكي بك ) زعيم كبير من زعماء الشام . ولي الوزارة مرارا ورياستها ( بالوكالة ) مرة ، وهو محام معروف ، وأخوه الآخر كان طبيبا كبيرا ، وأهله ذوو ميسرة وغنى ، ولكنه لا يرزأ أحدا شيئا ، ولا يجرؤ واحد منهم على دعوته إلى طعام أو منام . ولقد حدثني الأستاذ زكي بك أنه ما افتقر هذا الفقر إلا لأنه كان كبير إخوته . مات أبوه وخلّف له هذين الصغيرين ، فباع ماله كله ، وأنفق عليهما حتى استكملا الدرس في استانبول - وكانت باريس تلك الأيام - ثم أبى أن يأخذ منهما قرشا واحدا ، وإذا عرضا عليه هدية أو دعواه دعوة ، غضب أشد الغضب ، فتركا ما يريدان لما يريد ، فعاش أغنى الناس ، لا لأنه كان أكثرهم مالا ، بل لأنه كان أقلّهم حاجة ، ولا فرق بين أن تكون لك كنوز قارون وأموال فاروق فتنال بها كل ما تطلب ، أو أن تكون مطالبك هيّنة يسيرة فلا تحتاج إلى مال كثير لتنالها ، ومن هنا قال من قال : إن السعادة هي القناعة . قنع من الحياة بأيسر ما تحفظ به على صاحبها الحياة : رغيف يسدّ جوعته ، وقماش يستر عورته ، وكان إذا طلب الناس المصايف واتخذوا لها الدور وأعدوا لها العدة حمل عباءته وعيبته ومشى مشيا إلى ( بسيّمة ) درّة الوادي وجوهرة العقد في جيد ( بردى ) ، فوضع العباءة والسفرة في المغارة فوق ( العين الخضراء ) ، ثم نزل فدار بالقهوات ، وجالس الجماعات ، فوعظ ونصح وأمر ونهى ، لا يرزأ أحدا طعاما ولا شرابا ولا مالا ، ولا يخل جوفه من عند أحد شيئا ، ثم عاد إلى المغارة فأكل فيها ما استطاع أن يعدّه لنفسه رغيفا ولحما ، أو خبزا وزيتونا ، أو شايا وكسرات يابسة من خبز الأمس . وحمد اللّه ونام ، لا يخشى السّرق على مال ولا الخسارة في تجارة ، ولا تحقق الشر من عدو ، ولا خيبة الأمل في صديق .