تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غرر الشام في تراجم آل الخطيب الحسنية ومعاصريهم — صفحة 548

مساهمون:

ص٥٤٨
حدثني أحد أصهار الأسرة فقال : الشيخ كمال الخطيب رجل كان فذا بين الرجال ، لا ترى مثله في العصور الطوال . وإذا كان الرجل العادي المهذب كالنسخة المطبوعة من الكتاب ، كان الشيخ كمال نسخة مخطوطة مفردة ، وقد يكون في المخطوطة خرم أو نقص ، أو يكون على صفحاتها أثر من دهن أو بلل ، ولكنها مع ذلك أثمن من المطبوعة وإن كان ورقها نظيفا وطبعها متقنا ، لأن هذه واحدة في الدنيا ، ولأن من تلك آلاف الآلاف . كان الشيخ كمال بقية عصر مضى ، ولكنه أبى أن يمضي معه ، فعاش في القرن الحاضر كما كان في القرن الماضي ، فكان تحفة في ( متحف ) ولكنها تمشي ، وصفحة من ( تاريخ ) ولكنها تتكلم . وكان بطلا في جسم عجوز وغنيا في ثياب سائل ، وكان فكرة استحالت رجلا ، ومثلا أعلى سوّي إنسانا . ولكل منا مثل أعلى يتمثله إذا انفرد بنفسه . أما مثل الشيخ الأعلى فهو أعماله التي يعملها . ولكل منا أفكار يفكر فيها إذا خلا بعقله ، أما أفكار الشيخ فهي كلماته التي يقولها . وكل منا يعرف حقائق الناس ومثالبهم وعيوبهم ولكنه يكتمها عنهم ، أما الشيخ فكان يقول لكل إنسان ما يعرفه عنه لا يستثني من ذلك أحدا من الناس أبدا . وليس الذي بالشيخ ما يسمونه الصراحة أو الوقاحة ، بل هو شيء لا أعرف له اسما لأني لم أجده عند شخص آخر : يقول لكل رأيه فيه بأوضح عبارة وأقصرها وأشدها ، ثم يمشي لا يريد بها جلب منفعة ولا درء مضرة . ثم يحبه مع ذلك الناس كلهم ويحترمونه ويخافونه : رجال الشعب ورجال الحكومة ، والعلماء والجهلاء ، والأغنياء والفقراء لا يسلم من لسانه أحد ، ولكن لا يكرهه أحد . ولم يكن ببالي حبّهم ولا كرههم ، ولا يحفل بإكبارهم ولا احتقارهم ؛ لأنه يعيش من نفسه في عالم ، غاية مطلبة من الدنيا قماش يستر عورته ، ولم أقل جبّة ولا رداء ، لأنني لم أكن أدري ما كان يلبس على التحقيق : أجبّة غيرها طول البلى حتى صارت من قصرها وثنيها كالرداء أم رداء أبلته الأيام فصار كالجبة ؟