تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غرر الشام في تراجم آل الخطيب الحسنية ومعاصريهم — صفحة 551

مساهمون:

ص٥٥١
مشتريا يضايق البائع ، أو شابا يتحرش بالنساء أو امرأة تتصدى للشباب ، أو رأى معتديا على آخر في جسده أو ماله أقام القيامة عليه فكأن البلد كلها مدرسة والناس تلاميذها وهو المعلم فيها . وهو قاموس حيّ ، فيه تاريخ دمشق وأنباء أحداثها وأخبار رجالها ونسائها ، حوادث رآها ووعاها ، وناس عاشرهم وخبرهم ، وله آراء في السياسة صائبات وأنظار ثاقبات ، وله كلام مغطّى تعوده أيام الاستبداد الأولى أيام السلطان عبد الحميد ، حين كان الجواسيس يخالطون الناس في أسواقهم ومجامعهم ومدارسهم وطرقهم ، وحين كان للجدران آذان ، وكان يؤخذ الناس في أوساط الليل من بيوتهم ، بلا محاكمة ولا تحقيق إلى حيث لا يدري أحد . وكان الناس يستمعون له ولا يجرءون على معارضته « 1 » . وكان يتوسط في الخصومات ويعرض لحلّ المشكلات ، ويقضي بين الناس بلا محكمة ولا مرسوم جمهوري فيسمع من الخصمين ويوازن بين حجج الفريقين ثم يقضي . والويل من جحيم لسانه لمن لا ينفذ حكمه ، فكم ألّف بين زوجين وأصلح بين شريكين وكان يأخذ من الأغنياء سطوة واقتدارا ، أو حبا وإكبارا ، فيعطي الفقراء المستورين ، فيسعف اللّه به وجوها لولاه أذهب ماءها حر السؤال . وكان قديما ص خطيب الجامع الأموي ، ولم أدرك أنا ذلك ، فضايق الحكومة بكشف عيوبها ، وضايق العلماء الرسميين بذكر سجايا العلماء العاملين ؛ فتألب عليه علماء السوء ؛ فأغروا حكام السوء حتى عزلوه فاتخذ من كل مكان منبرا يخطب عليه ، ولبث على ذلك حتى توفاه اللّه من نحو سنة . * * * هذا هو الشيخ كمال ، نسخة مخطوطة نادرة من مخطوطات الرجال ، رجل فرغ من مطالب نفسه ، وعاش للناس فكان مثله الأعلى هو عمله ، وأفكاره هي قوله ، وكانت دمشق مدرسة وكان فيها الأستاذ .
هامش
( 1 ) هذا ما قالوه عن السلطان عبد الحميد ، وقد تبيّن أنه حديث مفترى ، ولكنه صار بعده واقعا يرى .