تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غرر الشام في تراجم آل الخطيب الحسنية ومعاصريهم — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
الصلاحية التي أنشأها قائد الجيش الرابع وزير البحرية العثماني يومئذ جمال باشا السفاح ، لتخريج علماء ودعاة اسلاميين ، فالتقى المترجم بنخبة من الأساتذة الشيوخ الأعلام وأخذ عنهم واستفاد منهم كما تعارف إلى عدد وفير من زملاء الكلية الذين وفدوا إليها من مختلف الانحاء الشامية وغيرها ، وكانوا فيما بعد من ألمع رجالات الديار وقادتها « 1 » حتى إذا اشتد أوار الحرب وزاد لهيبها ولم يمض على الدراسة السنتان والنصف وقبيل التخرج بقليل اضطر للعودة إلى دمشق ، إذ أغلقت الكلية أبوابها والتزم مع من التزم بالالتحاق بالجيش لتأدية الخدمة برتبة ملازم احتياطي ، فكان بين أقرانه الجندي المؤمن الشجاع المندفع بقوة العقيدة والفكرة والخلق الاسلامي المحافظ ، ليكون نموذج الفتى المجاهد الصبور ، والعسكري الحازم الذي يرى كل الأمور من حوله بمنظار الجدية والفعالية المنتجة المسئولة ، فلا يركن في تأدية مهماته إلى الآخرين ، ولا يلقي بمسئولياته الذاتية إلا على نفسه فحاز إعجاب قادته ورؤسائه ، ومنح وسام الحرب تقديرا له ولمحافظته على معاني الانضباطية وتطبيق النظام ، فإنه لا يعرف للتساهل في الأمور سبيلا ولا للتسامح في الواجب معنى إذا ما أنيط به أو طلب منه . وتبدل الحكم العثماني وقامت الدولة العربية الفيصلية الملكية في سورية والتي لم يطل أثرها ، إذ داهمها الجيش الفرنسي المحتل فقضى عليها ، فكان المترجم رحمه اللّه ممن شارك في معركة ميسلون ومع المتطوعين من أبناء عمومته الشباب والكهول والشيوخ وكل الذين زحفوا إلى الروابي غرب دمشق ليصدوا عنها العدو المتحدي الفرنسي المكتسح للبلاد . وانتهت معركة ميسلون بالخيبة ورجع الناس الذين سلموا من الموت إلى دورهم وأهليهم ، رجعوا إلى أعمالهم المعتادة يخيم عليهم ظلام مستقبل قاتم لا بد معه من النظر فيما كان سببا للفشل ، وما يمكن أن يكون يوما ما عن الأمة الكابوس الاستعماري الذي جثم على صدر البلاد والعباد وأوقعها في براثن الذلة والمهانة وكابوس التحكم والاستعمار .
هامش
( 1 ) - من الذين يقصدهم الشيخ في كلامه : مدير عام أوقاف الديار الشامية الشيخ أحمد القاسمي رحمه اللّه تعالى .