تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غرر الشام في تراجم آل الخطيب الحسنية ومعاصريهم — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
ولا أزال أذكر في نفسي سلوكه مع أحد أبناء عمومته ، حيث استلم له محلا تجاريا في البذورية محل الشيخ خير الخطيب ، لقد اتفق معه على أجر معين وأنه يداوم فيه قسما من النهار ساعات معينة كبقية الناس ، ولكنه يأتي في آخر الشهر إلى صاحب المحل ويقول له : تغيبت في اليوم الأول عددا كذا من الدقائق وفي اليوم الثالث كذا . . . ثم يجمع الوقت الذي داومه ليقبض ثمنها ، فيجيبه ابن عمه : اني سامحتك ولا أريد أن تشق على نفسك بهذا الحساب ، ولكنه لا يرضى رغم أن هذه الأوقات التي كان يتغيب فيها هي أوقات الصلاة يصليها خلف الامام في المسجد « 1 » . عرفت فيه الكرم والسخاء فحين كان يستأجر أحدا لحمل الأمتعة يدفع له زيادة في الأجر إكراما له ، وحين يريد ضيافة أحدا يضيفه بأكثر مما يملك ، وقد يبقى بدون طعام في هذه الرحلات لأنه وجد بعضا من المرافقين أو أبناء العمومة ليس عنده طعام يكفيه فقدم ما عنده اليه . كانت أخلاقه أخلاق المتصوف الحقيقي ، فهو زاهد في المال ، يعفو عن أخطاء المرافقين وأبناء العمومة ، ويتحمل أخطاءهم وفظاظتهم عرفته في دروسه التوجيهية دروس الفقه والتصوف والتوحيد التي افتتحها في بيته لكل من أراد أن يستزيد في العلم والمعرفة الاسلامية ، وقد بدأنا مع أبناء العمومة ونفر كبير ممن يحبونه ويحبهم لتلقي هذه الدروس ، بدأنا نتدارس ذلك وكان على خلاف كثير من المدرسين كان مثلا أعلى لما يدرسه لطلابه وتلاميذه ، كانوا تجارا وطلابا ومدرسين ، أخذوا من سلوكه ومن علمه ما جعلهم يقتربون في معاملاتهم وفي سلوكهم من هذا المثل الأعلى الذي يرونه أمامهم . لقد رأيت كثيرا من المدرسين الذين ينتقدهم طلابهم ومريديهم ، لأنهم يقولون ملا يفعلون ، أما استاذنا ابن عمنا فكان يفعل قبل أن يقول ، ويلزم نفسه بما آمن به
هامش
( 1 ) يظن الناس أن هذا أمر غريب ولا داعي له ، وهو أمر هام لقبض المال الحلال ، فقد حدث أنه مرة تأخرت عن عملي حين وفاة صديقنا الأخ أبو عدنان المقري رحمه اللّه - ولديه أيتام - تأخرت بسبب عطل في السيارة في طريقنا إلى دمشق من مجلس الصلاة على النبي عند الامام النووي ، فقمت بحساب الوقت وقيمته وقلت للأخوين معي هذا للدرج قيمة الوقت الذي لم أداوم فيه ، فقالوا كنت تتأخر زمن أبي عدنان ولا تفعل فقلت لهم : كان يعلم مدى طلبي للعلم وهو مسامح لي أما الآن فيوجد أيتام .
غرر الشام في تراجم آل الخطيب الحسنية ومعاصريهم — صفحة 186 | الشيخ عبد العزيز الخطيب الحسيني