فاتخذ عمامة لها عذبتان كان ينفرد بها لا يشاركه أحد في حمل مثلها ، وأخذ على نفسه ألا يسمع بسنة من سنن الرسول عليه الصلاة والسلام إلا فعلها ، فقرأ أن الرسول كان شعره يصل تارة إلى منكبيه وتارة إلى شحمتي أذنيه ، فأطال شعره وكان مثل أسلاك الذهب .
وعمل بعد تركه الجيش في بيع العطر في سوق البذورية في الشام الذي يقصده السياح ، فصار فرجة السائحات من النساء يقفن عليه ويصورونه .
وكان فنانا رساما ، فلما سمع أن الرسم حرام ترك رسم الأحياء ، صنع شجرة لآل الخطيب ( وهم أسرة أمي وزوجتي ) وهم من الأسر التي تدعي أنها متصلة النسب بالسيدة فاطمة الزهراء بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، واللّه أعلم بصدق الدعوى فما نكذب أحدا في نسبه ولا ينبغي لنا ولا نستطيع أن نصدق كل مدع شرف النسبة إلى الرسول « 1 » .
فصنع شجرة على لوحة من القماش المشمع طولها سبعة أمتار وعرضها أربعة وضعها في صدر إيوان الدار ، لما كنا نسكن تلك الدور الشامية التي كانت مصيفا ومشتى ، وكانت دارا وبستانا ، وكانت قصورا يضحك فيها الرخام والمرمر وتغني فيها النوافير فوق البرك ، ويزهر فيها الفل ، ويعرش الياسمين ، وتمتد فوق سطحها دوالي العنب هذه الدور التي قفزت البحر المتوسط بطوله لا بعرضه فوصلت إلى الأندلس والى المغرب ، ولا تزال موجودة فيها ، فلما أصابتنا النكسة وهجرنا هذه الدور ، وسكنا صناديق من الاسمنت ليس فيها برك يجري فيها الماء ولا أشجار يتدلى منها الثمر ويرقص على أفنانها الزهر ، ولا تستر نساءنا ولا تكتم اسرارنا ودنت سقوفها من الأرض فخفضنا لذلك رؤوسنا ، لما كان ذلك لم يعد لتلك الشجرة مكان فكلمت متحف الفنون الشعبية فاشتراها بألف ليرة من نحو أربعين سنة ، وهي تعدل اليوم أكثر من عشرين ألفا وهذه الدار إحدى الأعاجيب ولعلي أعود يوما إلى الكلام عنها ، ( ص 7 / 195 ) .
هامش
( 1 ) فإن أثبت أنه من سلالة الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وسلم صدّقناه ، ونسبنا ( آل الخطيب ) عليه أكثر من مائة تصديق من نقباء الأشراف في المدن الاسلامية الكبرى - المؤلف عبد العزيز .