اللّه : - باع إسحاق روحي في الندا ، اقطعوا رزقه ! - فلما قطع عنه الرزق خرج إلى موضع فسيح من رحاب القيروان ووضع هنالك كرسيا ودواة وقرطاسا . فكان يكتب الصّفات كلّ يوم بدنانير - فقيل لزيادة اللّه : عرضت لإسحاق الغني . فأمر بضمّه إلى السجن فتبعه الناس هنالك . ثم أخرجه بالليل إلى نفسه وكانت له معه حكايات ومعاتبات أحنقته عليه لفرط جوره وسخف رأيه ، فأمر بفصده في ذراعيه جميعا وسال دمه حتّى مات ثم أمر به فصلب " ومكث مصلوبا زمانا طويلا حتى عشّش في جوفه طائر " * " .
وأعتبر شخصيا هذا الخبر مبالغة حادّة في التشنيع على قتله . وأراها أسطورة طالما ذكرها رواة الأخبار فيمن صلب من العلماء والحكماء . ولم يحدّد لنا ابن جلجل ولا صاعد وغيرهما تاريخ قتل إسحاق بالتحقيق . والذي يخطر لي هو أن مقتله كان إما في سنة 294 ه / 906 م أو في التي بعدها 2 . يعني قبيل انقراض دولة بني الأغلب بقليل . وترجيحنا لهذا التاريخ مبني على كون إسحاق بن سليمان الإسرائيلي قدم إفريقية أوائل سنة 292 ه / 905 م فيكون أخذه عنه في الفترة الممتدة من مجيئه إلى حين قتل . يعني مدّة عامين أو أكثر بيسير - وهذا غاية ما أمكننا تمحيصه من أخباره . ولعل بعض النصوص المجهولة ترشدنا بعد هذا إلى زيادة التّحقيق في حياته وسيرته .
وعلى التّقدير المتقدم يكون إسحاق بن عمران قد استوطن بإفريقية ما يزيد على العشرين حولا نضجت في خلالها معلوماته وتنوّعت اختباراته ومكتشفاته وقد قضى تلك المدّة الطويلة في تحرير مصنّفات متعددة مفيدة . وبثّ في أثنائها فن الطّب وعلوم الطبيعة بين المتأهّلين من أبناء البلاد لا سيما الفلسفة ومتعلّقاتها .
وبهذا الاعتبار يكون إسحاق المعلّم الأوّل والمرشد الكبير في ربوع إفريقية وما والاها . لما خصّه اللّه به من العلم الواسع والذكاء النادر .
ولا يفوتنا أن نذكر هنا أن إسحاق بن عمران كان له ولد اسمه علي أخذ علم
هامش
( * ) ورد هذا الخبر في طبقات ابن جلجل مسندا عن ابن الجزّار ، والرّاجح أنه نقله من تأليفه " التعريف بصحيح التاريخ " وهو مفقود .