بالبعيدة عن القيروان بقصد سكناها ونقل مصالح الحكومة والجند إليها . وابتدأ في بناء ( رقّادة ) في سنة 262 ه وقد بذل وسعه في جعلها حاضرة كاملة بفخامة البناء وعظمة القصور والحدائق ومصانع المياه والأسواق والحمّامات والخانات للمسافرين والثكنات الحصينة للجيوش ما لم يكن يعهد له مثيل في البلاد الإفريقية .
وبعد عام انتقل إليها مع أهله وحشمه ونصب بها مصالح الدولة مثل دواوين الجند والرسائل والخراج ودار الضرب ودار الطراز وما إليها . وبانتقاله إلى ( رقّادة ) عفى عن مدينة ( العباسية ) - وتسمى أيضا القصر القديم - التي كان أنشأها جدّه الأعلى إبراهيم الأكبر فصارت أثرا بعد عين .
وشاء إبراهيم الثاني أن يزخرف عاصمته الجديدة بالأبّهة اللائقة لاتّساع ملكه في البرّ والبحر ، فسعى في جلب العلماء والفلاسفة والمغنّين والجواري من العواصم الإسلامية الكبيرة : بغداد ومصر ، فأرسل أحد ثقات مواليه - والمظنون أنه أبو بحر بن أدهم - فقصد بغداد في سنة 264 . وتقاول هذا الرسول مع ( مؤنس المغنّي ) من موالي القائد العبّاسي الشهير موسى بن بغا كما اتفق مع أحد الأطباء المشار إليهم في بغداد بالحذق والمعرفة - وهو إسحاق بن عمران - على القدوم إلى إفريقية علاوة على ما اقتناه من الجواري الحسان والكتب النفيسة والتّحف والأعلاق .
وعلى هذا يكون دخول إسحاق بن عمران إفريقية مع هذا الرسول ، لا في مدّة زيادة اللّه الثالث كما زعم الطبيب ابن جلجل المتقدّم . ومهما يكن من أمر فإنّ إسحاق جاء لا محالة في أوائل دولة إبراهيم الثاني وانضمّ إلى بلاطه في رقّادة وخدمه بعلمه وصناعته كما تثبته الأخبار الواردة والأحداث الحاصلة له مع هذا الأمير .
ويناسب أن نشير هنا إلى أمر من الأهمية بمكان وقد غفل عن ذكره المؤرّخون : وهو أن إبراهيم اتّخذ بأحد قصوره المنشأة برقّادة ( بيت الحكمة ) للأبحاث العلمية مقتديا في ذلك بما كان أسّسه العباسيون في بغداد . وقد خصّصنا
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين — صفحة 711
مساهمون: حسن حسني عبد الوهاب
ص٧١١