وهنا محلّ إشكال يتبادر للذهن من أوّل البحث عن حياته . وبيان ذلك أن أوّل مؤرخ - بل المؤرّخ الوحيد - الذي جلب أخبار إسحاق بن عمران وعرّف به هو الطبيب الأندلسي سليمان بن حسّان المعروف بابن جلجل القرطبي في كتابه " طبقات الأطبّاء " ، حيث قال " * " :
" دخل إفريقية في دولة زيادة اللّه بن الأغلب 1 - يعني آخر الأمراء الأغالبة ( تولّى من سنة 290 إلى سنة 296 ) - وهو الذي استجلبه وأعطاه شروطا ثلاثة لم يف له بها : بعث إليه عند وروده راحلة أقلته . وألف دينار لنفقته . وكتاب أمان بخطّ يده أنّه متى أحبّ الانصراف إلى وطنه انصرف " .
وهذا الخبر لا يتّفق مع الواقع لأسباب يأتي بيانها . بل في اعتقادنا أن الأمير الأغلبي الذي استجلبه من بغداد هو إبراهيم الثاني ( المتولّي من 261 إلى 289 ) لا حفيده زيادة اللّه الثالث . وإليك البيان :
إنّ إبراهيم الثاني منذ تولّى أراد أن يخرج بالملك من هيئته البسيطة التي كان عليها من لدن استيلاء أسرته وينزع به إلى الأبّهة ومظهر الترف . وقد تمهّدت أسباب الحضارة واتّسع أفقها وتيسّرت وسائلها . وهناك سببان آخران لهما دخل كبير في حمل إبراهيم على إظهار البذخ وترف الملك . الأول : امتلاكه لجميع جزيرة صقلية الآهلة الغنية التربة وانضمامها بكمالها إلى ممتلكاته . ولا يخفى ما في هذا الحادث من التقوية لثروة البلاد الإفريقية وتنمية مداخيل الدولة الأغلبية . الثاني :
مسايرة إبراهيم في تقليد أوضاع العبّاسيين في عصره وقد اتّخذ الخلفاء منازل ملوكية حول عاصمتهم بغداد مثلما فعل المعتصم بإنشائه لمدينة ( سرّ من رأى ) - سامرّا - والمتوكّل وغيرهما .
وربّما أراد إبراهيم - من ناحية أخرى - مجارة جيرانه الأمراء الطولونيين في مصر وقد انتقلوا بالسكنى إلى مدائن جديدة أحدثوها ( القطائع ) و ( العسكر ) الخارجتين عن مدينة الفسطاط العتيقة .
فإنّا نرى إبراهيم الثاني لأول ولايته يعزم على إنشاء مدينة مستقلّة ليست
هامش
( * ) المصدر المذكور ص 84 .