المختار جعل تونس ثانية العواصم الإفريقية ، وقد يروى أن أبا جعفر المنصور كان إذا ورد عليه بعض أعيان إفريقية يسأله : " كيف حال أحد القيروانين ؟ " يعني مدينة تونس ، كيف لا ؟ وقد استوطنها مدة قبل أن يلي الخلافة العباسية .
ولما آل حكم البلاد إلى بني الأغلب ، صرف أمراء هذه الدولة عناية خاصة لتمدنها فأنشئوا في أعلاها - ناحية القصبة الآن - قصرا لسكناهم يعرف ( بدار الإمارة ) ، مثلما كان يوجد في القاعدة الأخرى ، وأداروا المدينة بسور حصين واتّخذوا بها قصورا أخرى للنزهة والراحة في وسط حدائق وبساتين فيها أصناف الثمار والرياحين " * " وكانت هذه المنشآت واقعة خارج باب قرطاجنة بمكان يسمى قديما ( سواني المرج ) .
وفي منتصف مدّة الأغالبة اعتنى الأمير أحمد - سادسهم - بشأن تونس ، فأوسع جامعها ( الزيتونة ) وزانه بما هو عليه الآن من الزخارف والنقوش والكتابات الكوفية ، حسبما يشاهد على جدران محرابه وقبته إلى الآن .
ولا يخالجنا شك أن هذا الأمير البنّاء الكبير ، جهّز تونس ( ببمرستان ) نظير ما فعل في صفاقس ، وقد وردت الإشارة إلى وجوده في غضون ترجمة بعض العلماء المنتسبين إلى تونس " 27 " . ولا يبعد عندي أن محله كان في ناحية الحي المرتفع المعروف الآن ( بالمركاض ) في الجهة الغربية من المدينة ، ويؤيد احتمالنا أن هذا الحي - أي المركاض - كان يعرف فيما مضى " بربض المرضى " " * * " وهذه التسمية وحدها تدل دلالة قوية على أن المرستان الأغلبي كان واقعا هناك .
أما بقية المدائن الإفريقية . مثل ( قابس ) و ( توزر ) و ( باجة ) و ( قفصة ) وإن كانت أيضا محل عناية الدولة العربية - فليس لدينا ما يثبت أنه كان بها مرستانات
هامش
( * ) المدارك لعياض 2 ( مخطوط ) .
( 27 ) طالعنا نصوص تراجم الفقهاء التونسيين في " ترتيب المدارك " سواء الواردة في مخطوطة المؤلف المحفوظة في مكتبته بدار الكتب الوطنية تحت رقم 18620 أو في النسخة المطبوعة في الرباط ضمن منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ، ولم نعثر فيها على نصّ يشير إلى " الدمنة " في تونس .
( * * ) مسالك البكري ص 697 .