للدلالة ما نقلنا من كلام المتقدّمين فيه وما وصفوه به من الصفات النادرة كقول ياقوت : " كان أحمد طبيبا حاذقا دارسا ، كتبه جامعة لمؤلّفات الأوائل ، حسن الفهم لها ، وكان مع حسن المذهب صائنا لنفسه " .
ورأيت عبارة أوردها المالكي عرضا في كتابه " رياض النفوس " تشير إلى أن ابن الجزّار ربما كان يميل إلى شيء من التشيع . حيث قال : " كان ابن الجزّار الطبيب على خلاف السنّة " " * " وقد لا يبعد ذلك 1 إذا علمنا أنه وضع تاريخا خاصا لمبتدأ دولة الفاطميين الشيعة بإفريقية . ويؤيّده أيضا الصّحبة الأكيدة التي كانت تربطه بأبي طالب عمّ المعز . وهو من وجوه رجال الشيعة ، وربما كان ميله هذا لآراء الشيعة هو السبب الذي حمل أصحاب الطبقات من الأفارقة المالكيين على التغافل عن إيراد ترجمته في مصنّفاتهم ، لأنّا لم نر من بينهم من تكلّم عليه لا بالكثير ولا بالقليل . وأول من أطال في التعريف به هو الطبيب الأندلسي سليمان بن حسّان المعروف بابن جلجل ، فجلّ أخباره منقولة عنه مع العلم بأن ابن جلجل قرأ الطّبّ على بعض تلاميذ ابن الجزّار .
ومهما يكن من إهمال أصحاب الطبقات لترجمته ، فإن الأطبّاء التونسيين لم يرتابوا في تقدير علم ابن الجزّار الواسع وتعظيم قدره ، وبالآخرة الانتفاع بفوائده الغزيرة . فقد قال الطبيب أحمد الخميري - من الأطبّاء التونسيين في القرن التاسع للهجرة - في " تحفة القادم " من تأليفه : " إن غالب المصنّفات الكبيرة التي تنظر في علم الطب ، مصنّفوها من غير هذا الإقليم الإفريقي ، كابن سينا والرازي والمجوسي وغيرهم ، والمناسب النظر في هذا الإقليم في تصانيف ابن الجزّار لأنه إفريقي ، أما سائر كتب الطّبّ فلا ينبغي لغير الطبيب الماهر المداواة بنصّها على ما هي عليه إلا بعد مراعاة قدر اختلاف الطبائع واعتبار الأقطار وتأثير الأدوية في قطر دون قطر ، بحسب اختلاف عروض الأقاليم والعادات . . . الخ " .
ولا مشاحة أن تآليف ابن الجزّار نالت شهرة بعيدة المدى حتّى في مدّة حياته . فهذا كشاجم الشاعر المشهور - ولم يدخل القطر الإفريقي - يقول في مدح
هامش
( * ) رياض النفوس للمالكي [ 2 : 430 ] .