قال ياقوت : " وكان له معروف كثير . وأدوية يفرّقها على الفقراء " يعني يوزّعها على المعوزين بغير ثمن احتسابا للّه .
وحكى ابن جلجل : " حدّثني عنه من أثق به قال : كنت عند ابن الجزّار في دهليزه وقد غصّ بالناس إذ أقبل ابن أخي القاضي النعمان ، وكان حدثا جليلا بإفريقية يستخلفه القاضي إذا منعه مانع عن الحكم ، فلم يجد في الدهليز موضعا يجلس فيه إلا مجلس أبي جعفر . فخرج أبو جعفر فقام له ابن أخي القاضي على قدم فما أقعده ولا أنزله ، وأراه قارورة ماء كانت معه لابن عمه ولد القاضي النعمان ، واستوفى جوابه عليها وهو واقف ، ثمّ نهض وركب وما قدح ذلك في نفسه ، وجعل يكرّر المجيء إليه بالماء في كلّ يوم حتّى برئ العليل - ابن النعمان القاضي - قال ابن جلجل : قال لي الذي حدثني : فكنت عنده ضحوة نهار إذ أقبل رسول النعمان القاضي بكتاب شكره فيه على ما تولّى من علاج ابنه ومعه منديل بكسوة هدية وثلاثمائة مثقال ، فقرأ ابن الجزّار كتابه وجاوبه شاكرا ولم يقبض المال ولا الكسوة . فقلت له : " يا أبا جعفر ، رزق ساقه اللّه إليك ، فقال لي :
- واللّه ، لا كان لرجال معدّ - الخليفة الفاطمي - قبلي نعمة " .
اتفقت كلمة من ترجم لأحمد بن الجزّار أنّه كان قد أخذ لنفسه مأخذا عجيبا في سمته وهديه . وأنه لم يحفظ عنه مدّة حياته زلة قطّ . ولا أخلد إلى لذّة . وكان يشهد الجنائز والأعراس ولا يأكل فيها ، ولا يركب قط لأحد من رجال الدولة ولا إلى سلطانهم ، إلّا إلى أبي طالب أحمد بن عبيد اللّه المهدي ، عمّ الخليفة المعزّ ، وكان له صديقا قديما ، فكان يركب إليه يوم الجمعة من كلّ أسبوع لا غير . وزاد ياقوت " أنّه لم يكن يقصد أحدا إلى بيته " لعلوّ همّته وصيانته .
ولربّما يفهم من ذلك أنه كان متكبّرا ومعجبا بنفسه ، بل الأمر الواقع أنه كان على خلاف ذلك ، وقد تقدّم أنه كان يشهد جنائز الفقراء ويحضر أعراسهم . ومن عادته أنه كان ينهض في كلّ عام إلى المرابطة فيذهب إلى المنستير - وهو الرباط المشهور البركة - فيكون هنالك طول أيام القيظ ، ثمّ يعود منه إلى القيروان على ما جرت به عادة العلماء الزهاد المتواضعين . وبالجملة لو أردنا استقصاء أخبار أحمد بن الجزّار من الشيء القليل الذي وصل إلينا لطال بنا الكلام ، ويكفي
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين — صفحة 739
مساهمون: حسن حسني عبد الوهاب
ص٧٣٩